لا تبحثوا عن أسرار الخلود !

00:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

ماذا يفعل الرضيع أو أي بشري أعزل حيال طائرة بلا قائد مسيّرة بالريموت كونترول ومشحونة بالمتفجرات والقذائف والصواريخ المتعددة الجنسيات لتنصبّ فوق الأحياء والشعوب؟ يضربها بحجر أو يرمقها ببصر؟ السؤال نفسه حيال ضابط يلتهم «البيج ماك» في قمرته المبرّدة العاصفة بألحان أوبرا هايدن. ما الذي يجمع بين هاتين «اللعبتين» التي تجتمع فيها عقول الآباء والعلماء مع أطفالهم اللاهين بألعابهم الصغيرة المستنسخة للحروب أمام بيوتهم أو مدارسهم في عصر من الأوبئة الطائرة الماحقة ؟

 ماذا سوى زرع الإعاقات وتبادل ألعاب التركيع والترويض من الفضاء، ومن خلف الشاشات والنصوص وتقوّص الفقرات لا تزرع سوى الخرائب والأحقاد والقبور لتتساوي لعبة الحياة بالموت ؟ هل هو قدر البشرية في فهم العدالة والإنصاف والسلام والمساواة والإنسانيات؟ أتتحوّل تهويلات الحروب الطائفية في لبنان مثلاً الى أنماط اللذّة المتجددة المدسوسة في الأرحام حتى الأجنّة ومخيلات الأجيال والأحلام إلى ما شاء التاريخ؟

 يتصوّر مهندسو المغالاة في قتل الشعوب وإبادتها وقصف الأحياء والمدن وإشاعة الكراهية أنهم يحقّقون ربّما أسطورة أنكيدو وجلجامش «البابلي قبل 5 آلاف عام. تحالف الأوّل مع الثاني حتّى ساواه في قوّته وبطشه لينشب قتال عنيف بينهما، كما يحصل في الغالب، ثمّ ارتبطا بصداقة قويّة تحطّمت بموت «أنكيدو» المأساوي. وطاف «جلجامش» باحثاً مسكيناً عن أسرار الخلود بعدما أفجعته صدمة الموت الذي كان ينساه وهو مدمّى في معركته مع صديقه.

 ظهر الأمر المقلق عبر التواريخ في النص الديني القديم الذي كرّس الفكر الوثني في سلوك درب الإيمان ليتجذّر في الشرق ويطوف لبناء الغرب، ثمّ امتدّ بالقساوة الكبرى إلى المسيحية بعدما صار رمز العقائد المسيحية المتنوعة رمزاً للذبيحة الكبرى وكأنها تلك التي بها اكتفى الله، مع أنّها لم تعتق البشرية من الإمعان في تقديم الذبائح المستمرة للتكفير عن ذنوبهم وخطاياهم. يستمرّ المسلمون  في تقديم الذبائح وتبادلها تنقيباً عن القيم الكبرى والغفران، مع أنّ الإسلام تجاوز كلّ هذا الفكر بحكمةٍ واضحة هي المساواة والتنوع العقائدي. لتمثل مسألة العدل والإنصاف محنة الفكر البشري وسلوكه الذي لم يدرك بعد معنى العدالة والإنصاف، وقبول الآخر كما هو تلمّساً للحضارة بمعناها الإنساني الإيجابي.

 تُرى من هو«أنكيدو» ومن هو«جلجامش»؟

 لا حاجة لأن يهرش القارئ رأسه أو يجهد بحثاً عن العقل والفكر والصراعات بين المسلمين أو بينهم وبين الدنيا، لأنّ الأسماء قد تتعادل أو تتشابه في زراعة القتل بين الدول كما لدى العابرين القلقين في أزمنة غير عابرة تمشي على مهل، بل على رؤوس أصابعها إلى درجةٍ مرّة تتعانق فيها الحياة بالموت لأن الوجه الآخر المظلم للحياة هو الغياب. 

 يصعب على لعبة الضاد القفز والتنقيب في هذا المحيط الفائر بشراسة الحروب الممعنة في مشاهد التخريب عن مشهد آخر كاذب بعيد أو قريب، وكأنّ أصحاب الولائم السياسية والاقتصادية غرباً وشرقاً يحيكون بالدماء والذبائح أرذل الثياب وأقسى الاستراتيجيات والصور عبر المجموعات المتنوعة التي يبقيها الإسلام بعظمته بين قوسين، ليظهروا (من هم هؤلاء ومن يستطع أن يرشدنا إليهم بموضوعية لا بالسياسة والنكاية ورمي التهم) الإسلام في المشاهد العالمية وعصر التواصل العظيم الوجهة الباقية التي تتجدّد باسم الدين. يسترسل هذا التوجّه واسعاً في بسط ولائمه الدموية المتجددة أمام عيون شعوب العالم الجائعة وشاشاتها وبرامجها مروّجاً للعنف كيفما تطلّعت. إنه الجاذب في إغراءاته، لكنه الندبة العالمية المقرونة بمظاهر التدين ليعيشه البعض ويراه أوهاماً فارغة من كل القيم حتى ولو بدا مشحوناً أو مبشراً بمستقبل قريب لليبرالية والعدالة وفضائل الجمهورية والحريات الفردية إلى كمّ من المصطلحات الفاشلة التي لم تستطع الشعوب تذوق معانيها. إنّها مصطلحات للانقضاض على المجتمعات وشلّ تقدمها وتلاقحها، حتّى أن ورثة أصحابها من الكتاب والفلاسفة أو الأنظمة التي تروّج لها باسم الحضارة، هم من فصائل أنكيدو وجلجامش وقاييل وهابيل. 

 من يفسّر لأجيالنا إذن الفروق بين الإنصاف والعدالة عندما نتكلّم أو نبشّر بالمساواة؟ وإلى متى يحصر الفكر الخبيث أو يخفي الإرهاب بالإسلام والمسلمين ويجعلهم مساحة يسهّلون عبرها سياساتهم في التحريض والتفريق والادّعاء بأنّ ثورات يجب أن تحصل بعدما حققت المسيحية ثورتها خلال 300 عام من عصور التنوير؟ 

 أضع هذا التفكير والسلوك الإجرامي المتجدد في مواقع معادية للأفكار والحضارات والوجه المشرق من الحياة في العالم.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"