إعادة التفكير في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى

في الاستراتيجية الأمريكية الكبرىإعادة التفكير
00:01 صباحا
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
إليزابيث بورجواردت. كريستوفر ماكنايت. نيكولز أندرو بريستون
* إليزابيث بورجواردت، أستاذة مساعدة للتاريخ والقانون، جامعة واشنطن في سانت لويس
* كريستوفر ماكنايت نيكولز، مدير مركز العلوم الإنسانية وأستاذ التاريخ المشارك، جامعة ولاية أوريغون
* أندرو بريستون أستاذ التاريخ الأمريكي، جامعة كامبريدج.

ما الاستراتيجية الكبرى؟ ما الذي تهدف إلى تحقيقه؟ وما الذي يميزها عن التفكير الاستراتيجي العادي؟

ما الذي يجعلها، بعبارة أخرى، «كبرى»؟ في الإجابة عن هذه الأسئلة، ركز معظم المشاركون في هذا الكتاب على الدبلوماسية والحرب، وكيفية توسيع إطار الاستراتيجية، لتشمل مسائل معاصرة خارج النهج التقليدي المرتبط بالجانب العسكري فقط.

يقول مؤلفو هذا الكتاب: «إن الاهتمام التقليدي بالشؤون العسكرية مفهوم، لكنه في عالم اليوم يترك الكثير مما يمكن اعتباره سياسياً، وبالتالي استراتيجياً. من الممكن في الواقع التفكير؛ بل والوصول، إلى فهم أكثر اتساعاً للاستراتيجية الكبرى، وهو فهم لا يزال يشمل ساحة المعركة وطاولة المفاوضات مع التوسع إلى ما بعدهما. كما أن السياسة العالمية المعاصرة مدفوعة بمجموعة واسعة من القضايا غير العسكرية، فإن الاعتبارات الأكثر شمولاً للاستراتيجية الكبرى يجب أن تأخذ في الاعتبار أسس السلام والأمن، بما في ذلك الجنس والعرق والبيئة ومجموعة كبيرة من المجالات الثقافية والاجتماعية، والقضايا السياسية والاقتصادية».

يجمع الكتاب قائمة من المؤرخين البارزين لدراسة مكانة أمريكا في العالم، يعاينون بعضاً من الشخصيات المألوفة، مثل جون كوينسي آدامز، وجورج كينان، وهنري كيسنجر، ويكشفون أيضاً عن الحلقات المنسية والأصوات المخفية للاستراتيجية الأمريكية الكبرى.

 ما الاستراتيجية الكبرى؟

في السنوات الأخيرة، قدم المؤرخون والعلماء الآخرون تعريفات مفيدة، يدور معظمها حول الفكرة القائلة إن الاستراتيجية الكبرى هي تضخيم للممارسة الاستراتيجية «العادية»؛ المتمثلة في استخدام وسائل مختلفة لتحقيق غايات محددة. كتب بول كينيدي، المؤسس المشارك لبرنامج الاستراتيجية الكبرى المؤثر في جامعة ييل، أن «جوهر الاستراتيجية الكبرى يكمن في السياسة، أي قدرة قادة الدولة على الجمع بين جميع العناصر على حد سواء، العسكرية وغير العسكرية، من أجل المحافظة على المصالح الفضلى للدولة على المدى الطويل (أي في وقت الحرب ووقت السلم) وتعزيزها.

 يجد هال براندز، خريج برنامج جامعة ييل ومساهم في هذا العمل، أن أفضل طريقة لفهم الاستراتيجية الكبرى تتلخص في أنها «بنية فكرية تضفي هيكلاً للسياسة الخارجية يعد المنطق الذي يساعد الدول على الإبحار في عالم معقد وخطر». أما بيتر فيفر، الذي اتبع نموذج ييل عند إنشاء برنامج استراتيجي كبير في جامعة ديوك، كان أكثر تحديداً إلى حد ما بقوله: تشير الاستراتيجية الكبرى إلى مجموعة الخطط والسياسات التي تشمل جهد الدولة المتعمد لتسخير الأدوات السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية معاً، لتعزيز المصلحة الوطنية لتلك الدولة. أما منظر العلاقات الدولية ستيفن والت كان أكثر دقة منهما؛ حيث قال: الاستراتيجية الكبرى للدولة هي خطتها لجعل نفسها آمنة. تحدد الاستراتيجية الكبرى الأهداف التي يجب تحقيقها لإنتاج الأمن، وتصف الإجراءات السياسية والعسكرية التي يعتقد أنها تؤدي إلى هذا الهدف.

 ويرى المؤرخ العسكري ويليامسون موراي أنه لا يوجد تعريف بسيط وواضح للاستراتيجية الكبرى يمكن أن يكون مرضياً تماماً على الإطلاق، بينما أشار آخرون إلى أنه من الصعب المبالغة في تقدير مدى تشويش أسئلة التعريف بالدراسات المعاصرة للاستراتيجية الكبرى.

 يرى مؤلفو الكتاب أن الاستراتيجية الكبرى يمكن فهمها على أفضل وجه على أنها نظام شامل ومترابط للسلطة، يشمل جميع جوانب المجتمع سعياً وراء تحقيق أهداف دولية على أساس العلاقة المحسوبة بين الوسائل والغايات. في ديمقراطية تمثيلية مثل الولايات المتحدة، تساعد الاستراتيجية الكبرى في الإجابة عن السؤال الأساسي، ما قوتنا؟

 ويضيف المؤلفون: الاستراتيجية الكبرى ليست مجرد انتصار في الحروب أو تحقيق أهداف محددة للسياسة الخارجية، على الرغم من أهمية هذه الأولويات. فهي أيضاً مرتبطة بإيجاد سلام دائم يتبع الحرب ثم المحافظة على استقرار ذلك السلام لفترة طويلة بعد أن تتلاشى الحرب. يتعلق الأمر، ولا يزال، بإجراء تغيير على نطاق واسع أو منعه. لم تعد الاستراتيجية، التي كانت قبل القرن العشرين عملياتية وعسكرية فاعلة اليوم، لأن نظام العالم الحديث معقد ومتكامل بشكل متزايد. كان على الاستراتيجيين الكبار أن يروا الصورة كاملة، وليس فقط ساحة المعركة، وكان عليهم أن يتطلعوا إلى المستقبل، وليس فقط حل مشاكل الحاضر. لهذا السبب، ربما يكون من الأفضل التفكير في استراتيجيات جمعية كبرى بدلاً من استراتيجية كبرى مفردة.

ويشيرون إلى أنه في حين أنه من الواضح أن الاستراتيجية ولدت من ضرورة عسكرية وسياسية، إلا أن الاستراتيجية الكبرى ولدت من الحاجة إلى ملاءمة الأمور العسكرية والسياسية في إطار أكبر. كما توضح حالة خطة بيبفار، فإن تطوير طبقات مصممة لكسب الحروب لم يكن كافياً لضمان الأمن القومي للدولة أو مكانتها الدولية؛ لذلك يجب أن تأخذ الدراسات الاستراتيجية إطاراً أوسع لما يعد «فعالاً» أو ناجحاً بما يتجاوز الفاعلية العسكرية في ساحة المعركة والنجاح الدبلوماسي في أروقة السلطة.

1

 تأثير جائحة كورونا

 يشير المؤلفون إلى أن الظروف الأخيرة المرتبطة بالجائحة، تؤكد الفكرة المذكورة أعلاه، فالتفكير الاستراتيجي في مجالات أخرى غير الأمن العسكري، مثل الصحة العامة، قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل. في خضم جائحة كورونا، أعربت المفكرة العلمية أنجانا أهوجا عن أسفها لحسابات المخاطر والفوائد التي ترى ثروات طائلة مخصصة لإجراءات مكافحة الإرهاب في حين نتسول أموالاً للسيطرة على الأمراض. التاريخ مفيد هنا أيضاً: يذكرنا النطاق العالمي ونطاق جائحة الفيروس التاجي لعام 2020 بشكل مخيف بتجربة جائحة الإنفلونزا في 1918-1919. فقد أصاب هذا الوباء 20 إلى 30 في المئة من سكان العالم، ما تسبب في وفاة ما يصل إلى 50 مليون شخص (تراوح التقديرات ما يقرب من 18 مليوناً إلى أكثر من 100 مليون)، بما في ذلك ما يقرب من 675000 أمريكي.

ويضيفون: في زمن السلم، أو ببساطة في أوقات السلام النسبي، يوازن الاستراتيجيون الكبار (والاستراتيجيات الكبرى) بين الأولويات، ويعاير الوسائل لتحقيق الغايات، ويخدمون مسبقاً المصالح الأساسية ليس فقط ضد الأعداء والمنافسين، ولكن أيضاً فيما يتعلق بالحلفاء والمحايدين، وكل ذلك يتطلب حشد الموارد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والثقافية وحتى الأخلاقية للمجتمع. في المناخ الدولي الحالي، تتخذ الدول وجهة نظر أكبر من تطوير الأنظمة السياسية لضمان «النصر» في النزاعات المسلحة الحالية أو المستقبلية المحتملة. إن وجود استراتيجية كبرى للسلام يعني إيجاد بدائل للمواجهات المسلحة من أجل تأمين نتائج إيجابية، وإذا لم يظهر أي بديل آخر واندلعت الحرب، فإن ذلك يضمن أن الدولة ستكون في وضع أفضل في النصر مما كانت عليه قبل الحرب. يخطط الاستراتيجيون الكبار الأكثر فاعلية لتسوية ما بعد الحرب؛ حيث تكون البيئة الخارجية لدولتهم مواتية ليس فقط لمصالح تلك الدولة ولكن لمصالح مناطق وتكتلات دول بأكملها أيضاً. عند الاقتراب من الاستراتيجية الكبرى، يحتاج العلماء وصانعو السياسات إلى النظر في الظواهر - مثل العرق والدين والصحة والثقافة - التي تعد ضرورية لفهم العالم من حولهم ولكنها مع ذلك تم إهمالها من التحليل الاستراتيجي الكبير التقليدي.

 إعادة التفكير في الاستراتيجية الأمريكية

 يرى المؤلفون أن المفاهيم الكامنة عن «إعادة التفكير» أو «إعادة التصور» تعمل كالفكرة المهيمنة التاريخية للاستراتيجية الكبرى. ومن الناحية المنهجية، فإن إعادة التفكير في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى تعتمد على الأدبيات السابقة بطريقتين. أولاً، توسع نطاق الموضوعات التي عولجت تاريخياً، فضلاً عن نطاق الأكاديميين من خارج دائرة التاريخ الدبلوماسي والعسكري التقليدي. ثانياً، تقدم دراسات حالة محددة ومفصلة تجريبياً لإثبات أهمية التاريخ في تطوير مناهج موضوعية جديدة إلى إطار أكثر توسعية في ظل وضع الاستراتيجية الكبرى.

 ينعكس تعقيد الاستراتيجية الكبرى كمشكلة تحليلية أيضاً في مقياس الخلاف بين المساهمين في هذا العمل حول مسائل النطاق والحجم والتكافؤ. حتى إن هناك قدراً كبيراً من الشك حول شرعية المفهوم نفسه. على النقيض من ذلك، يشكك آخرون في الحاجة إلى توسيع معايير الاستراتيجية الكبرى؛ لذلك لا يتفق العلماء في هذا العمل بالإجماع على ما يشكل بالضبط استراتيجية كبرى، ناهيك عن أبعادها ونطاقها. ومع ذلك، فهم يتفقون على أنه يجب علينا الاستمرار في دراسة الاستراتيجية الكبرى حتى أثناء توسيع شروطها. في النهاية، لا يحاول هذا الكتاب تقديم إجابة نهائية لماهية الاستراتيجية الكبرى. في الواقع، يعدّ طرح الأسئلة وإيجاد احتمالات جديدة، بدلاً من توفير تسوية ذاتية لحقل كبير ومتنامٍ، هي المهمة التي تكمن في قلب هذا الكتاب.

 بنية الكتاب

 ينقسم العمل إلى خمسة أجزاء. يقدم الجزء الأول وجهات نظر جديدة حول بعض النقاشات الأساسية حول الاستراتيجية الأمريكية الكبرى. ويبدأ مع هال براندز الذي يطرح قضية إجراء التحليل التاريخي الاستراتيجي الكبير بشكل صحيح من خلال تسليط الضوء على العديد من المغالطات التي يجب على الأكاديميين تجنبها، ثم تقترح بيفيرلي كيج نظرية اجتماعية كعدسة جديدة يمكن من خلالها إدراك الاستراتيجية الكبرى. يتبعهما تحليل برادلي وتايلور لكيفية تطبيق المبادئ الموضحة في الفصلين الأولين.

 يقدم الجزء الثاني بعنوان «الروايات التاريخية الكبرى» لمحة عامة منطقية شاملة عن الاستراتيجية الأمريكية الكبرى من تأسيس الدولة إلى العصر الحالي. تنتقل الفصول من الروايات الاستراتيجية الكبرى المضمنة في الوثائق الفيدرالية إلى دور الجنوبيين والعبودية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية، ومن الاستراتيجيات الكبرى المتعلقة بالقوة البحرية إلى الأفكار الأكثر صعوداً في العمل في أمريكا، والتي أصبحت قوة عالمية ثم قوة عظمى منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

 ويعاين الجزء الثالث بعنوان: «إعادة صياغة الشخصيات المحورية» بعضاً من أكثر الممثلين التاريخيين المألوفين في دراسة الاستراتيجية الأمريكية الكبرى مثل: وودرو ويلسون، دبليو إي بي دوبوا، فرانكلين دي روزفلت، إدوارد ميد إيرل، جورج ف.كينان، ريتشارد نيكسون، هنري كيسنجر، وجورج دبليو بوش. ولكن كما توضح ميكايلا هونيكي مور، يجب أيضاً مراعاة الأمريكيين العاديين، والشخصيات المركزية في السياسة الخارجية المشروطة بالسياسات الديمقراطية والرأي العام. في هذه الفصول، يعيد المساهمون النظر في هذه الشخصيات المحورية من خلال إلقاء ضوء جديد على مبادئها وقواعدها وسياقها. 

 يستند الجزء الرابع بعنوان «منهجيات جديدة» على الأسس التي وضعتها الفصول السابقة لاقتراح مجموعة من الطرق الجديدة لدراسة الاستراتيجية الكبرى مثل الحقوق الإنجابية، والصحة العامة، والبيئة، والإنسانية، والهجرة، والعرق، وقد ظهرت موضوعات أخرى مثل الحرب والقانون والسياسة الداخلية والدين في الدراسات السابقة ولكن ليس بالضرورة بالطرق المعروضة هنا. ركزت الفصول هنا على التاريخ الاجتماعي خاصة من جهة أهمية الأصوات من الأسفل. ولا يقصد المساهمون بهذا المنظور التصاعدي أن يحل محل التركيز المعتاد من الأعلى للأسفل للاستراتيجية الكبرى على القادة والمفكرين الاستراتيجيين. وبدلاً من ذلك، يُقصد منه تقديم مناهج تكميلية من شأنها أن تجعل دراسة استراتيجية أكثر تقريباً، وأكثر اطلاعاً، وأكثر اتساقاً مع الكيفية التي يعمل بها العالم فعلياً.

 يركز الجزء الأخير على الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين عندما انتصرت في الحرب العالمية الثانية والسنوات الأولى من الحرب الباردة، وكيف غدت أقوى دولة في العالم، بغية التفكير في معنى وحدود تاريخ الاستراتيجية الكبرى.

 في النهاية، يرى هذا الكتاب أن المظلة الاستراتيجية الأمريكية عليها أن تغطي رؤية أوسع للأبعاد الوطنية والدولية والعابرة للحدود الأمريكية والعالم. يقولون: إن نظرتنا الأكثر توسعية لا تقلل من أهمية مركزية القوة «الصارمة» التقليدية، ولا تتجاهل عالم السياسة العليا والقوى العظمى والأنظمة الدولية. لكنها تدعو أولئك الذين يدرسون ويمارسون الاستراتيجية الكبرى إلى توسيع منظورهم ووضع قضايا غير تقليدية إلى جانب الاهتمامات الأكثر تقليدية؛ لذلك يمثل هذا الكتاب تحدياً نأمل أن يستجيب له صنّاع القرار في المستقبل بطرق مثيرة ومدهشة.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
جيفري أ.فريدمان
2
روبرت ج.باتمان، باتريك كولنر، بالاز كيجليكس
1
طارق علي
2
ألكسندر بيتس

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
سوزان روز أكرمان
1
دانيال إس ماركي
2
جيورجوس تشارالمبوس
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي
1
كريس سالتمارش
1
بول هونج، ويونغ وون بارك
2
جون لوف
https://tinyurl.com/28d3tnzr