الهبوط الثقافي

00:18 صباحا
قراءة دقيقتين

أصعب مرحلة في الطيران والتحليق في سماء جميلة هي الهبوط، لحظة تتجلى فيها كل التفاصيل والثواني، تعني الحياة أو الانتهاء، وهي ما يميز سائق الطائرة «الكابتن»، ومهارته، فحين تهبط بسلامة على أرض صلبة تحب ذلك الهبوط، وتشكر من قلبك من قام به، وهذا لا يتشابه مع الهبوط الثقافي، في المشهد الثقافي الذي يتمثل بما يسمى «مجلات ثقافية»، أو أية وسيلة ثقافية بدأت فعلياً في نداء الهبوط. 
متابعة دقيقة، تحليلية لمستوى الكثير من المجلات التي تأخذ حيزاً من واقعنا، مجتمعنا، ولها مقرات ومسميات وعلامات، تجعلك في كبد وحزن، وكيف أنها لا تعرف من المشهد الثقافي غير التقليد الغربي في الترويج لسطحيات، ومرئيات شكلية لا غير، لا نجد البعد الثقافي الذي تأخذه شعاراً لها، أو الاحتضان الحقيقي لمن يستحق، غدت وبلا مجاملات بلا مضمون، وبلا هوية أو خريطة واضحة ترى إلى أين تسير بنا؟ كثيرون لربما طلقوا فكرة اقتناء هذا النوع من الإعلام المقروء، لكنهم لا يزالون يغزون مساحات كبيرة من حياتنا من خلال كل الوسائل، وكنا نتمنى أكثر ومنذ أعوام مضت أن يكون الدور المجتمعي لهذه الأسماء أكبر، في تبنيها الثقافة، والفكر، والمعرفة بجانب الجمال والأناقة التي لا بد منها لكن دونما مبالغات، حتى المثقف لم يسلم، فقبل أن تكون له صورة كانوا له فاحصين متيقنين أنهم يعيدون تشكيل شكله، وهويته بما يتناسب معهم، متعاملين معه كقطعة «إعلانية»، تضيف لهم قبل كل شيء.
المشهد الثقافي فيها وفي الآخر، وأعني بالآخر كل ما ينطبق عليه التحليل المستند على معايشة صعبة للواقع، لم تنضب بعد بئر الثقافة في مجتمعاتنا، ولم تختفِ الشخصيات الحقيقية ذات التأثير الجميل المبدع، ليت هذه الأوراق تحمل يوماً زخماً ثقافياً حقيقياً يليق بنا وبموروثنا، ليتها تكون جزءاً من التأريخ والتوثيق الفعلي، لا ضير من التوازن لنبقى محلقين عالياً، فلا نرجو لهذا الهبوط نجاحاً أو ازدهاراً، بل نزدريه بقلوب متعبة مما تراه وتشهد عليه عيوننا المرهقة التي امتلأت من صور السخافات والتكرار المبتذل في أحيان كثيرة، اختلط الحابل بالنابل، وصارت القدوات في هوامش القوائم، والغث والسمين في أعلى المراتب وعلى الأغلفة وفي كل النداءات التي تكتب وتضخم صورة من لا صوت حقيقي في داخله قد ينطق ليترجم حيزاً بسيطاً يمكن إنقاذه من الثقافة التي لربما ولد بها أو تربى عليها.
سلام لأقلام رفضت الهبوط وارتحلت لمكان بعيد علها تنقذ ما بقي من كرامة الفكر والثقافة واسم «إعلامي مثقف»، سلام لتلك السحب التي أمطرت علينا وشح اليوم ماؤها بسبب التهميش والضغط للتنازل فرفضت، وسلام لمن هو مستمر في رفض الهبوط، ولا يزال محلقاً وإن كان وحيداً.
[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"