عادي

فجوة التذوق الأدبي

21:34 مساء
قراءة 5 دقائق

القاهرة: مدحت صفوت

هل فقد الشعر جمهوره؟ أو بعبارة أخرى، هل يقرأ أحد قصيدة لأي غرض ما؟. يجري نشر القصائد على نطاق واسع، وتظهر مئات من دواوين الشعر كل عام، ومن المفترض أن شخصاً ما قرأها؛ الشعراء والمحررون والنقاد وباحثو الدراسات العليا، لكن هل يقرأها الناس العاديون، القارئ العادي؟ وإذا كان إجابة السؤال مخيبة للشعر عموماً، فهل يوجد من يقرأ قصيدة النثر؟

إشكالية غياب جمهور الشعر عموماً، وجمهور قصيدة النثر بخاصة، ليست عربية فقط، فمنذ مطلع الثمانينات والكتابات النقدية العالمية تبحث عن إجابة لسؤال: أين ذهب جمهور الشعر؟، خاصة مع زيادة الاعتقاد في أن الشعر المعاصر «الجاد» ليس له تقريباً أي جمهور خارج أقسام اللغات وآدابها، وبصورة عامة المكانة الثقافية للفنون الأدبية أقل مما كانت عليه قبل قرن من الزمان، ويشتكي الناشرون من أنه بينما قد يسعد كثير من الناس بسماع شاعر يُلقي من ديوانه الجديد، نادراً ما يكمل أي منهم التجربة عن طريق شراء الديوان.

ويبدو أن تقنيات الكتابة الحديثة، إلى جانب المناهج التعليمية خرّجت أجيالاً تعتقد في أن الشعر ليس لديه ما يقوله لهم، وأنه مجرد ترفيه مقصور على فئة معينة، ونادراً ما يكون ممتعاً، فيما يرى الناقد الإيرلندي دينيس دونوغيو أن الأسباب التي تجعل جمهور الشعر غير الأكاديمي قليل جداً اليوم، هو بلا شك الفجوة الهائلة في الذوق بين الشعراء (ورثة الحداثة) ومعظم القرّاء العاديين (ورثة التقليد)، مشيراً بطرافة «اللوم يقع على عاتق الشعراء».

كتلة صماء

الحديث عن الجمهور ككتلة صماء، أمر غير دقيق، فالطبيعي عندما نفتح موضوع «جمهور الأدب»، أن نسأل عما نقصد بمفهومي الجمهور والأدب؟ فهما مقولتان تستعصيان على التأطير والتعريف الجامع المانع، بالتالي فالسؤال عن جمهور قصيدة النثر، يدفعنا إلى ماذا نعني بالجمهور؟

مؤكد أن قصيدة النثر لها قرّاء وجمهور، وليسوا بالطبع جميعهم من الكُتّاب والأدباء، وإن كان أغلبهم من القرّاء الذين يمكن الإشارة إليهم ب«أصحاب الدُربة»، وإن ظلّ كثيرون من شعراء قصيدة النثر يرون أن الجمهور في القصيدة هو الشاعر، من دون أن يهم مقدار إساءة تفسير القارئ لنص ما أو أن يفككه الناقد، فالقصيدة النثرية تحتوي على كل معنى متماسك يتضح للشاعر أثناء كتابتها أو إعادة قراءتها.

أما قارئ الشعر التقليدي في الأغلب يتخذ منهجاً استعارياً لتفسير قصيدة ما، ويجب أن تشير كل كلمة إلى أهمية بعيدة جداً عن أي دلالة واضحة، مثال على ذلك، الوردة لا تكن أبداً وردة عند الإشارة إليها في قصيدة؛ إنما يجب أن تكون رمزاً للحب أو الجمال أو الحياة، وهي رؤية تقليدية بالطبع، ومع تطور الرؤى النقدية، يمكن للقرّاء تفسير اللغة حرفياً.

التقليد سهل ومريح وآمن، والخروج كالتجاوز ليسا مستحبين ولا مطلوبين في وسط راكد، لكنّ أغلب شعراء قصيدة النثر لم يراهنوا على الجمهور منذ بدايات القصيدة، فجاءت الكتابة بلا حيلة ولم تكن لدى أصحابها رفاهية الاختيار؛ هم المحكومون سلفاً، بما يفعلونه، ربما يكون ذلك مؤلماً ومعذِّباً، لكنه فاتن ومُشبِع.

فريق، ليس بالقليل من شعراء القصيدة التي أسقطت عروض الخليل بن أحمد، تبنت على نحو عنيف فكرة أن الجمهور ليس معياراً للشعر أو حكماً عليه، كونه يعد معياراً خارجياً وهو محكوم بما هو اجتماعي وسياسي وثقافي وإعلامي، لا بما هو شعري. وكلما أوغلوا في الزمن والوعي بقصيدتهم تأكد اليقين في صحة ذلك مما عصمهم من الاتكاء على الوهم وتقديم «تنازلات» غير شعرية إلى جمهور كان وعيه العام والأدبي يزداد انحطاطاً، منذ السبعينات.

ولم يكن هذا الإنكار للجمهور متناقضاً مع إيمانهم بأن الشعر ليس واحداً، وأن قرّاءه ليسوا كتلة واحدة متجانسة، ذات توجه وهوى شعري واحد، وإلا فمَن الذي يجهز على دواوينهم بطبعاتها، حتى ولو على فترات طويلة، من الذي يتسابق على قراءة القصائد عربية كانت أو مترجمة؟

هذه العصمة، منحت الشعراء مساحة للعب، مع النصوص التراثية تارة، المعاصرة تارة أخرى، واتسعت مساحة اللعب لتمتد لمراحل مختلفة ومجالات متعددة، إلى الدرجة التي لم يجد فيها بعضهم حرجاً في أن يلعب في إنتاجه الشعري مع أقرانه، أو مع أعماله الشعرية السابقة؛ بما يشي بالتواصل بينها من ناحية، ومن ناحية أخرى منح النص الإيحاء بتعدد الأصوات؛ مما يعوض أحادية الصوت التي يقوم عليها الشعر، الذي يحتوي على رؤية صاحبه لتصبح رؤية جماعية تمثل ذلك الإحساس بالاغتراب والافتقاد الشديد للآخر.

التهيئة لظهور مواهب جديدة

غياب الجمهور الشكلي على نحو تام ليس حقيقة مطلقة، فشعراء اللهجات «الشعر العامي» لهم قاعدة جماهيرية، كذلك تستعيد القصيدة العمودية جمهورها يوماً بعد آخر، خاصة بعد رواج مسابقات الشعر في السنوات الأخيرة.

ومع ذلك نحن نتفق فيما كتبه منذ سنوات طويلة، الشاعر والإعلامي فاروق شوشة، في جريدة الأهرام المصرية، أن أسباب الخلل في العلاقة بين الجمهور والشعر كثيرة ومتداخلة‏،‏ ومسؤولياتها تتوزع بين الشاعر والناقد والجمهور‏،‏ وقنوات الاتصال في المجتمع‏،‏ والنظام التعليمي في المدرسة والجامعة،‏ ومنافذ الاتصال بحاضر الإبداع الشعري العربي والعالمي لكن تهيئه السبيل أمام بزوغ مواهب شعرية جديدة تنضجها نار التجربة والمعاناة والتمرس بالخبرة الحية، مملوءة باليقين في غد أفضل‏،‏ ينبغي أن تظل أمراً شاخصاً نصب أعيننا‏، أملاً في أن تبدع الأجيال الجديدة شعرها الجديد المغاير‏.

لا يوجد جمهور واحد للشعر يمكن تجميعه بالاتفاق والتفاهم المشتركين لقراءة القصائد نفسها والاستمتاع بها، لكن هناك جماهير ومجموعات وطوائف مختلفة، كل منها مكرّس لشاعر أو عدد قليل من الشعراء وغير مبالين بالآخرين.

نصائح لكسب الجمهور

في الأغلب تُكتب قصائد النثر على نحو غير المتوقع من الجمهور العادي للشعر، وليس من السهل دائماً معرفة سبب كتابتها ولمن كتبت للوهلة الأولى، وعلينا أن نتذكر أن الجمهور هو مصطلح أدبي يستخدم لوصف المستهدف الذي يؤلف الشاعر قصيدة له، ومن المفترض أن يجد الجمهور أهمية في معنى القصيدة، ومن واجب الشاعر أن يكتب بطريقة تخاطب جمهوره المقصود، حتى من دون سؤال الشاعر، من الممكن معرفة الجمهور المستهدف للقصيدة.

وسعياً للوصول إلى الجمهور يقدم موقع «pen and pad» (قلم ولوحة) عدداً من النصائح للشعراء، في تقرير عنون ب«كيف تخبر جمهورك بالقصيدة»، وجاءت النصائح في خطوات أربعة، أولها: أن يقرأ الشاعر القصيدة بصمت لنفسه، وأن يفكر في الإيقاع، ثم يعيد قراءتها بصوت عالٍ، مستمعاً للطاقة والإيقاع، وإذا بدا الأمر أكثر قوة عند القراءة بصوت عالٍ، فقد يكون الجمهور المستهدف عبارة عن حشد من المستمعين، لكن إذا أثار ذلك مزيداً من التفكير عند قراءته بصمت، فقد يكون الجمهور المقصود هو القرّاء.

وتمثلت الخطوة الثانية في فحص محتوى القصيدة ومادتها «شخصية أو موضوعية»، فقد يكون الجمهور المستهدف عبارة عن مجموعة صغيرة من أشخاص محددين، مثل أفراد الأسرة، أو ربما لا يوجد على الإطلاق. والخطوة الثالثة هي أن يضع الشاعر في اعتباره المفردات المستخدمة في القصيدة، وما يخاطب به القرّاء، وأخيراً تحديد جهة النشر أو مكان الإلقاء، في الأغلب يكشف أسلوب النشر أو الإعداد عن الجمهور المقصود.

سلام أدبي

سينتهي الشجار حول قصيدة النثر إذا اتفق أنصار الإنسانية على أن الشعر هو اشتغال باللغة وعليها، ويقدم نوعاً خاصاً من المتعة، وأن نتذكر مقولة الشاعر الإنجليزي الرومانسي صامويل كولريدج «القصيدة هي أنواع تعارض العلم من خلال اقتراح متعة موضوعها المباشر، وليس الحقيقة».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"