عادي

وداعاً للتقاليد الشفاهية

21:14 مساء
قراءة 5 دقائق

الشارقة: علاء الدين محمود

شكل ظهور قصيدة النثر في العالم العربي حدثاً قائماً بذاته، أعلن عن موجة شعرية جديدة، أو حقبة مختلفة عن كل ما سبقها، فلئن كانت قصيدة التفعيلة قد هزت الطرق والأساليب والبناء القديم، فقد جاء النثر ليعلن عن موقف مختلف، فهي شكل شعري عبر عن استجابة لموجات الحداثة التي ظهرت في العالم العربي، خاصة في خمسينات القرن الماضي في لبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها من البلدان العربية الرائدة في ذلك الضرب الشعري.

ظهور قصيدة النثر جاء في ظل ظروف معينة أنتجت ذلك النمط الإبداعي؛ بمعنى أن بروزها لم يكن عبثياً أو من باب الموضة والتغيير، لكنه كان شديد الارتباط بالعصر وروحه وما ساد فيه من إبداعات لا سيما مع تطور الفنون خاصة في مجالات التشكيل والصورة وجميع الإبداعات البصرية، فلئن انتقل الرسام، على سبيل المثال من النقل والتعبير المباشر عن الطبيعة وعناصرها، نحو تأويلها عبر التشكيل، فإن شيئاً من قبيل ذلك حدث بالنسبة للشعر في طريقته النثرية؛ وذلك ما حدث بالنسبة للسينما والمسرح ومختلف الفنون.

إن الجديد دائماً مرفوض مهما كان جيداً، لكنه يرفض مؤقتاً حتى يعتاد المتلقي عليه؛ لذلك عندما ظهرت قصيدة التفعيلة قوبلت بالنقد من أنصار القديم ومحاولة الإقصاء السريع قبل أن تترسخ في أذهان الناس؛ وذلك هو الأمر عينه الذي حدث مع قصيدة النثر فيما بعد، وقد حوربت تلك الإبداعات الجديدة بكل الوسائل والأدوات، لكنها استطاعت أن تصمد وتستمر وتشكل جمهوراً مختلفاً؛ بل وغيّرت في مفهوم الجمهور نفسه على نحو ما سنرى.

شحنة فلسفية

وعلى الرغم من أن ظهور النثر جاء بعد مرحلة زمانية من القصيدتين العمودية والتفعيلة، لكن من الملاحظ أيضاً أن أياً من هذه الأنماط لم يقم بإزاحة الآخر تماماً عن المشهد، فالقصيدة العمودية لا تزال موجودة ولها جمهورها العريض الذي يغشى المنتديات والجلسات، وكذلك قصيدة التفعيلة، وهنا تبرز بعض الحقائق الموضوعية التي يستوجب أن تذكر وتناقش بصورة مستمرة، فالنثر قد أحدث متغيرات حتى في طريقة التعامل مع الشعر وعلى مستوى إلقائه وكذلك من حيث الجمهور؛ حيث إن قصيدة النثر لا تلقى بالطريقة القديمة في المنتديات التي يرتادها الجمهور لأن موضوعاتها نفسها تختلف عن القضايا التي طرقتها القصيدة العمودية.

فلئن كانت تلك القصيدة العمودية تعتمد على وجود جمهور يستمع، فإن النثر أراد أن يذهب إلى مواضيع أكثر عمقاً؛ بحيث تتناول الذات والتأملات في النفس والوجود، وصحيح أن تلك الشحنة الفلسفية كانت موجودة في بعض من الشعر القديم، لكنها لم تكن من سماته الأساسية؛ بل كان شعراً يعبر عن اللحظات العابرة والرصد المباشر للحياة وتدور مواضيعه حول قيم المدح والذم والرثاء والغزل الذي لا يعبر عن تجربة عاطفية عميقة وناضجة؛ لذلك فإن ذلك النمط الشعري القديم لامس ظاهر الحياة والقيم والأخلاق وعبر عنها ولكنه لم يتعمق فيها، وكانت القصيدة العمودية كذلك تعبر عن مضامين اجتماعية مثل الفروسية والشجاعة ومكارم الأخلاق وغيرها؛ لذلك لها جمهور من العامة وكان الشاعر حينها نجماً من نجوم المجتمع.

دعوة للتأمل

لذلك نلاحظ أن مفهوم الجماهيرية نفسه قد اختلف مع ظهور قصيدة النثر، وأن محبي هذا الضرب الشعري هم أنفسهم من المثقفين، ويمكن لذلك النوع من النصوص النثرية أن يخلق قاعدة جماهيرية من خلال تحطيم مفهوم «العامة» نفسه، فلئن كان النثر هو ابن التطور فإن المتلقي نفسه هو ابن التقدم في المعارف التي باتت منذ بدايات القرن العشرين كثيرة ومتنوعة؛ بحيث تصبح العلاقة بين الشاعر والمتلقي هي بين مبدعين اثنين؛ لذلك نرى أن قصيدة النثر بما تحمله من مضامين تعبر عن روح العصر قد احترمت المتلقي كثيراً ورفعت من مستوى وعيه عندما دعته للتفكير والتأمل والتعمق.

وليس صحيحاً أن على المتلقي أن يكون ملماً بتفاصيل القواعد والأسس التي يقوم عليها الشعر من أوزان وقافية وعلم عروض، لأن الذي يجعل المرء معجباً بالنص الشعري هو الذائقة الأدبية والإبداعية التي بداخله والتي تجعله يرغب في مثل تلك المواد الأدبية المحتشدة باللغة الجميلة الراقية والبلاغة؛ لذلك لا يتوقف المتلقي كثيراً عند مسألة أن ذلك البيت مكسور الوزن أو غيره، هو لا ينتبه لتلك المسألة لكنه يستطيع الحكم على قوة وضعف التشبيهات والاستعارات البلاغية والحكمة والمعنى الكامن داخل القصيدة؛ لذلك عندما جاءت قصيدة النثر لتتجاوز تلك الأطر التي اعتقلت الكلمات في داخلها بدافع الحرية، فإن المتلقي لم يتأثر كثيراً بذهاب «الوزن» «القافية»، لأن ما ينشده في النص ظل موجوداً وهو الجمال، ولم يفتقد القارئ حقيقة لتلك الأغلال التي انعتقت منها الكلمة وصارت تحلق بقوة أكثر بروافع الخيال والفكرة.

جمهور الشعر في كل زمان هو عاشق الجمال والمنقب في المعنى؛ لذلك نرى أن الأنماط الشعرية في عصرنا الراهن تعيش متجاورة العمودي والتفعيلة والنثر، وهنالك من القرّاء من يعشق كل تلك الأنماط بشرط واحد هو الجمال والإجادة، فلا يعني أن أحدهم هو شاعر جيد وعصري وحداثي لمجرد ممارسته كتابة قصيدة النثر، فذلك أمر غير صحيح؛ إذ إن المسألة ترتبط بالشاعرية والموهبة التي يحملها الشاعر المعين؛ لذلك لا يمكن أن نقارن بين شاعر عمودي أو يكتب التفعيلة وهو في ذات الوقت مجيد ومتمكن من أدواته بشاعر يكتب النثر وهو فاشل، فالمهم هو المحتوى الجمالي الذي يقدمه الشاعر بغض النظر عن التيار أو النمط الذي ينتمي إليه، ولعل أكثر ما أساء لقصيدة النثر وجعلها محل شك وريبة في قدراتها وإمكاناتها هو أن الكثير ممن لا يحملون الموهبة أو المقدرة الشعرية باتوا يكتبون خزعبلات أو نصوصاً بلا معنى ويطلقون عليها اسم نص أو قصيدة نثرية.

غياب النقد.

لقد ظن الكثير من مفتقدي الموهبة والإجادة والأدوات أن النثر هو الكتابة كما يحلو لهم، لأنهم يعتقدون أن نقيض «النظام» الشعري هي الفوضى؛ وذلك أيضاً ليس صحيحاً؛ حيث إن القصيدة النثرية لها نظامها وإيقاعها الداخلي، هي تأسيس لنظام جديد خالٍ من الحمولة الثقيلة المرتبطة بنظام بناء القصيدة العمودية؛ لذلك فإن واحدة من الأسباب التي أثرت في تجربة شعر النثر في العالم العربي هو غياب النقد المنهجي العلمي المتخصص، وفي ظل غيابه انتشر مئات؛ بل آلاف من الأشخاص يدعون أنهم شعراء ينتمون لقصيدة النثر من دون أن يتحلوا بالموهبة الكافية.

وليس صحيحاً ما يتردد بكثرة من أن النثر قد صرف الجمهور عن الشعر، لكن الصحيح أنه أسس لطريقة وأسلوبية جديدة كسرت المعادلة القديمة التي تعتمد على وجود مبدع في مقابل جمهور يصفق له ويميل طرباً مع إبداعاته، ونلاحظ أن العصر الراهن يتجه فيه الكثير من القرّاء نحو الرواية في العالم العربي، وتلك ليست مسألة عبثية هي الأخرى، فالسرد استطاع أن يرصد المتغيرات الاجتماعية والعصرية وأن يعبر عن الفرد والتشظي الاجتماعي وصعوبة التواصل، وهو ميدان عبرت عنه الرواية في العالم العربي، والمفارقة أن ذلك الفضاء عبرت عنه القصيدة كذلك في الغرب، فالشعر هناك لا يزال يجد قبولاً ولا يزال يملك المقدرة على التعبير.

إن الذين يرون أن قصيدة النثر لا تنتمي للشعر هم الذين رسخت في أذهانهم صورة نمطية محددة، وفكرة معينة عن كيفية كتابة النصوص الشعرية، وهم لا يريدون أن يفارقوا تلك الفكرة لأنهم يعتقدون أنها أبدية، وكذلك فإن الذين يقولون إن الشعر بلا جمهور، ذلك لأنهم أيضاً يمتلكون تصوراً قديماً عن الجمهور ويختزلونه في كونه ذلك الذي يذهب لحضور الأمسيات والأصبوحات الشعرية؛ وذلك واقع قد اختلف، فالتجربة الشعرية الجديدة التي قدمتها قصيدة النثر تعتمد على القراءة المتأنية للنص من أجل تحليله وتفسيره وتفكيكه وتأويله، وتلك هي مهمة الجمهور الجديد، فتلك المعادلة التي تفترض وجود جمهور يستمع إلى شاعر، تنتمي إلى القديم، إلى التقاليد الشفاهية التي فارقتها البشرية منذ قرون؛ أي ما قبل اكتشاف الكتابة والورق.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"