هنا زرع وهنا حصد

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

عاش الشاعر والمترجم المصري محمد عيد إبراهيم في الإمارات من عام 1999، وحتى 2012 موظفاً في وزارة الثقافة والشباب، جميلاً، وإنساناً، ومثقفاً هادئاً ينأى بنفسه دائماً عن الادّعاء والاستعراض، وفي خلال عمله في الإمارات كان شخصية أدبية محترمة في الوسط الثقافي والفني والمسرحي الإماراتي، وأعطى الثقافة الإماراتية خلاصة خبرته وتأهيله الأدبي والثقافي، وخاصة في حقل الترجمة.
غادر محمد عيد إبراهيم الإمارات في عام 2012، وقد ترك عند المثقفين والشعراء والكتّاب الإماراتيين والعرب المقيمين صورة الشاعر المثقف الصديق للجميع، والمحب للجميع، بعدما عاش المكان الإماراتي، والذاكرة الثقافية الإماراتية بحب وعمق وصدق.
وحين انتهى عمله في الوزارة، وقبيل مغادرته البلاد نظم اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات أمسية احتفالية تكريماً له، وتقديراً لدوره الثقافي في الإمارات من خلال الفترة التي عمل فيها وقاربت ثلاثة عشر عاماً. ويوم التكريم ألقى محمد عيد إبراهيم كلمة مؤثرة تعكس حبّه للإمارات، وتعايشه الإيجابي مع الوسط الثقافي الإماراتي. يومها قال «إن للإمارات سيرة سأكتبها ذات يوم، ولأهله محبة دائمة، وللأصدقاء مكان في قلبي. شطآن بحر لازوردي سأحنّ إليه حتماً بعد حين. هنا أحببت، وهنا كتبت، وهنا زرعت، وهنا حصدت..».
بعدما عاد محمد عيد إبراهيم إلى وطنه مصر رحل عن هذه الدنيا الفانية في 5 يناير 2020، أي بعد عودته إلى بلاده بنحو سبع سنوات، أنجز خلالها عدداً من الكتابات والترجمات، ومن الطبيعي أن يتساءل المرء هنا فيما إذا كتب محمد عيد إبراهيم سيرة المكان الإماراتي حيث قال إنه سيكتب هذه السيرة ذات يوم.
استعدت جانباً من سيرة حياة محمد عيد إبراهيم في الإمارات، لأشير إلى أن العشرات من الكتّاب والشعراء والروائيين والنقاد والفنانين والمسرحيين العرب يقيمون في الإمارات منذ الثمانينات، بل والبعض يقيم في البلاد منذ السبعينات، البعض يقيم ويعمل في الإمارات حتى اليوم، والبعض غادر الإمارات وفي قلبه حنين لا ينطفئ إلى المكان وإلى ناسه وذاكرته وجمالياته. وقد أحببت عبارة محمد عيد إبراهيم حين قال: «هنا زرعت، وهنا حصدت»، وكم من الكتّاب العرب المقيمين زرع وحصد في الإمارات، وحين غادر بعض هؤلاء الكتاب إلى بلدانهم لا بدّ أنهم حملوا معهم وفي قلوبهم ووجدانهم هذه الأرض التي زرعوا، وحصدوا فيها.
أقصد، بالطبع، أن أتساءل عن إمكانية وجود كتابات جمالية أو ثقافية أو إبداعية تتأمّل المكان الإماراتي بأقلام كتّاب عرب عاشوا في البلاد، وألهمتهم نصوصاً شعرية أو سردية أو نثرية تحمل نبض الحياة التي عاشوها في بلاد وفّرت لهم العيش والعمل والإقامة والاستقرار الآمِنْ الذي هو في حقيقته أحد أهم حواضن الأدب، وبيئته المُنتِجَة.
الكتابة مثلما هي فعل تطهّر، هي أيضاً، أمانة، وما أجمل أن نرد الأمانات إلى أصحابها.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"