الغرب يراجع فلسفة نظامه الاقتصادي

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

في أغسطس/ آب 2010، عقد المؤتمر السنوي لحزب المحافظين في بريطانيا، وسط ظروف أعقبت الأزمة المالية العالمية في عامي 2008 و2009، وتحولات في النظام العالمي نتيجة صعود دول آسيوية اقتصادياً، وصارت تمتلك القدرات التنافسية مع دول الغرب، وتمتعها برؤى وأفكار سياسية واجتماعية وثقافية، دعمت مكانتها في آسيا كقوى صاعدة.
 في هذا المؤتمر اتخذ حزب المحافظين –وهو الحارس تاريخياً على فلسفة الحرية الاقتصادية (اقتصاد السوق)- قرارات تمثل تحولاً في الفلسفة المحافظة، بإقرار تدخل الدولة في بعض الظروف لضبط حركة السوق، بما يحافظ على العدالة الاجتماعية، وعدم ترك هذه الحركة تميل ضد مصالح طبقات المجتمع المتوسطة والفقيرة.
 ثم جاءت أزمة «كورونا» لتمثل قوة ضغط على كثير من دول الغرب، لإعادة النظر في سياساتها الاجتماعية، وتأثير مبادئ اقتصاد السوق ونظريات العرض والطلب على هذه الأوضاع، حتى قيل إن وباء على هذه الدرجة من الخطورة يتطلب تدخلاً من الدولة، وهو ما يمثل ارتداداً حتى ولو كان نسبياً عن أنظمة اعتادت على الحرية المجتمعية في مجالات الأعمال.
 وعلى سبيل المثال، فإن بنكاي ميشرا، المحللة الاقتصادية في شبكة «بلومبيرج»، كتبت تقول، إننا «كنا نتعثر في أزمات من واحدة إلى أخرى، وكلها تدفعنا إلى نقطة الاحتياج للإنقاذ بدور من الدولة، وإن بعض الكوارث غير المتوقعة جاءت لتمثل لنا تحدياً للمفاهيم المسيطرة على مجتمعاتنا بشأن مبادئ عدم تدخل الدولة. لكن «كورونا»، قد رفع مسؤوليات الحكومة تجاه دعم ظروف الحياة الاجتماعية للمواطن، إلى مستوى ملزم للخروج من مأزق الاختيار بين الحياة والموت».
 كثير من المثقفين الذين أدلوا بدلوهم في المناقشات الجارية، يركزون أنظارهم حالياً، على الكيفية التي يمكن أن يغير بها هذا الوباء من الأولويات الاجتماعية للدولة، خاصة على ضوء ما سببه من إغلاق كامل للنشاط الاقتصادي، وهو ما دفع إلى التفكير في إعادة النظر بشأن تدخل الدولة، وهو ما لاحظناه في الولايات المتحدة.
 وكما ذكر محللون أمريكيون من أن الوباء قد أعاد تشكيل السياسة والثقافة الأمريكية، للتمتع بحرية نسبية أكبر في الحركة، لتتناسب مع الأولويات الطارئة للدولة.
 وأمام هذا النمط المتغير من التفكير، استضافت شبكة تلفزيون «فوكس نيوز» عدداً من المتحدثين الذين قالوا إن «كورونا» ليس أسوأ من الإنفلونزا، التي تسببت في موت الآلاف عالمياً، لكنهم سرعان ما غيروا رأيهم في لقاء لاحق، واعترفوا بخطورة «كورونا»، وقالوا إن البرامج القائمة على مبدأ حرية الحركة، تحتاج إلى تحولات كبرى في الفلسفة السياسية خلال الأيام المقبلة، وأن الأضرار الناتجة من «كورونا» تفرض على الدول تغيير ثقافاتها المتوارثة، عن تضييق نطاق تدخل الدولة اقتصادياً، وثقافياً، وصحياً. 
 البعض راح يتساءل: هل تتعارض هذه المتطلبات للتغيير مع المحتوى الفكري للسلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة الأمريكية، وفي الغرب عموماً، والتي صارت النموذج للمجتمع الرأسمالي، ونمط الحريات الاقتصادية أساساً، وما يرتبط بهذه القيم من استراتيجيات للهيمنة على العالم، وما يتصل بها من أولوية الإنتاج العسكري الكبير، والميل سياسياً لصالح القوى الاقتصادية الكبرى على حساب احتياجات الطبقات الأقل دخلاً، خاصة في مجالات الضرائب، والرعاية الصحية، وهو ما أظهرته تداعيات أزمة «كورونا» في الولايات المتحدة، من نقص في وسائل وإمكانات الصحة العامة، من مستشفيات، وبرامج علاجية، وتوفير كافٍ لأطقم الأطباء، والعاملين في مجالات الخدمات الصحية. وكان هذا النقص ضمن أسباب دوي أجراس الإنذار لإعادة النظر في الأولويات القديمة، خاصة مبدأ تدخل الدولة، فيما يمسّ حياة المواطن بالدرجة الأولى.
 وأذكر أن اتجاهاً مجتمعياً كان قد ظهر بقوة في الولايات المتحدة عقب انتهاء الحرب الباردة، يطالب الدولة بإعطاء أولوية لمطالب واحتياجات المواطن العادي، قبل متطلبات السياسة الخارجية والصراعات الدولية، هذا الاتجاه حمل تعبير «ثمار السلام»، بمعنى أن المواطن كانت له مطالب اجتماعية ملحة، لكنه كفّ عن المطالبة بها على أساس تقديره بأن احتياجات الصراع مع الاتحاد السوفييتي، أكثر أهمية بالنسبة له عن المطالبة بهذه الاحتياجات، أما وأن الصراع بين القوتين العظميين، قد أغلقت صفحاته بانتهاء الحرب الباردة عام 1991، فإنه عاد الآن يطالب بتلبية مطالبه التي كان قد تخلى عنها طواعية، وأن يجني «ثمار السلام»، على حد وصف التعبير الأمريكي.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"