خواطر في إشكاليّة الأصوات

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

هل خامرتك تأمّلات في الموسيقى؟ أنت على الأرجح طافت بذهنك أسئلة من قبيل: ما مشكلة الأذن العربية مع آلات النفخ النحاسية والخشبية؟ ما علّة النفور والجفاء والصدود؟ المسألة تتجاوز الجمهور والذوق العام، إلى موقف الموسيقيين أنفسهم، الملحنين تحديداً. ألأننا وجدنا آباءنا على هذه الذائقة؟ حذار تسطيح القضيّة وحصرها في الذوق الطربيّ، فالأمر أبعد مدى، وأعمق غوراً. خذ نموذجاً بسيطاً، حتى لا نضرب مثلاً غريباً عن السمع التقليدي، كصوت آلة النفخ الخشبية الباصون (الفاجوت)، وأغلظ منها «الكونتر فاجوت»، الصوت الذي سيقول من يهجوه إنه يشبه صوت الخنزير، والاسم أشنع من الصوت ذاته: الخنخنة، القباع. آلات أصواتها بديعة مثل الأوبوا، الكلارينيت، الكورنو الإنجليزي...لكنها لا تستعمل إلاّ نادراً ولغاية آنيّة محدودة، مثل استخدام الأوبوا في أداء صوت البلبل.«العندليب الأسمر»، الذي درس آلة الأوبوا في المعهد الموسيقي، ولعل اختيار«العندليب» له علاقة بالآلة، راح تخصصه فيها سدى.
الإشكالية ذات أبعاد سيكولوجية وفلسفيّة، فهذه الغربة السمعية السماعيّة أشدّ وطأة عندما ننظر إلى المسافة التي تفصل الأذن العربية عن إفساح المجال للآلات النحاسية في الفرقة العربية. حتى في مستوى الآلات الناعمة الدافئة مثل الترومبون، الفلوت، الفلوت بيكولو (الصغير)، الكورنو الفرنسي. لا علينا بالترومبيت والتوبا. لقد حدثت «اختراقات» نادرة، ولكنها كأنما أريد بها ألاّ تزلقنا فرق العالم بأعينها.عمليّاً،لا تزال عقلية الذوق ضمن إطار التخت. بناء على ذلك، كأنما يقال لكل واحدة من الآلات، الباصون، التوبا، الترومبون: أسمعينا تقسيماً،عندها، منذ الدرجة الصوتية الثالثة أو الرابعة يقال لها: انتهى الامتحان، فالصوت كما يقول ابن الرومي:«يُفزّعُ الصبْية الصغار به..إذا بكى بعضهم ولم يَنَمِ».
البعدان النفسي والفلسفي في منتهى الحاجة إلى الفحص الشامل والعلاج. وجود هذا الخلل في الإحساس بالموسيقى لدى موسيقيينا، يشكل معضلات وعقبات في طريق الإبداع الفني. وهذا يعني أن الدوران المفرغ في الطربية، يشبه انحباس مفهوم التغذية في ذوات السكاكر، وإقصاء مقاييس التغذية السليمة المتوازنة. أمّا البعد الفلسفي وهو الأخطر، فيتمثل في أن جذور الإحساس بالجمال غير سليمة، لأنها لا تفي بكل ما يحتاج إليه الإبداع من ثراء وتجاوب في التنوع الوسيع في مصادر الصوت.
لزوم ما يلزم: النتيجة النباتية: يرى علماء البيئة أن أخطر شيء على المحيط هو عدم تنويع زراعة الأشجار، ففي ذلك إفقار التنوع الحيوي.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"