عادي

الصداقة.. علاقة عنوانها المحبة والوفاء

22:36 مساء
قراءة 5 دقائق

القاهرة: «الخليج»

الصداقة من أسمى العلاقات الإنسانية، فهي اندماج شخصيات مختلفة في علاقة ومشاعر واحدة، وهي تفوق المحبة التي هي علاقة بين شخصين فقط؛ إذ اقتضت حكمة الله، عز وجل، في خلقه أن جعل الإنسان ميالاً بطبعه إلى مخالطة الآخرين ومجالستهم والاجتماع بهم. ولهذه المجالسة أثرها الواضح في فكر الإنسان ومنهجه وسلوكه، وربما كانت سبباً فاعلاً في مصيره وسعادته الدنيوية والأخروية.. أو في شقائه وانحرافه.

واهتم علم الأخلاق الإسلامي بقيمة الصداقة ورفعها فوق كل العلاقات الاجتماعية، فهي علاقة مودة قوية، وهي عاطفة مكتسبة تخضع لاختيارات الإنسان، نشأت من التعاطف والمشاركة في الميول والمشارب، وأساسها المساواة بين الأصدقاء، وتعززها المخالطة والمصاحبة.

وللصداقة، كما تقول د. منى أحمد أبو زيد، أستاذة الفلسفة والأخلاق الإسلامية بجامعة حلوان المصرية، دور مهم في بناء المجتمع وعلاجه من الفساد، فحين تسود أفراده الصداقة التي من شروطها المحبة والتواد، وينتفي عنهم المصلحة الفردية والعداوة والبغضاء، يتحررون من الأنانية، فالصداقة هي البديل للعداوة والتخاصم.

وتناول قيمة الصداقة بالحديث والدراسة طائفة كبيرة من المسلمين كان بينهم الأدباء والشعراء والفقهاء والمفكرون العرب والمسلمون، وأفاض في تناولها وتوضيح آدابها ابن المقفع، وابن حزم، والماوردي. واهتم بالصداقة من علماء الأخلاق المسلمين أبو حيان التوحيدي وخصص لها رسالة بعنوان «الصداقة والصديق»، وهو أحد المصادر الجامعة لأقوال الأدباء وأرباب اللغة في هذا الشأن.

وحظيت قيمة الصداقة باهتمام كثير من علماء الحضارة الإسلامية مثل الفارابي ومسكويه وابن سيناء والغزالي وغيرهم.

عون وسند

عني الإسلام كثيراً بقيمة الصداقة، وحث على تخير الأصدقاء الذين يكونون عوناً وسنداً للإنسان في السراء والضراء، والذين يخلصون النصيحة له، ونشر كل ما هو راق من السلوك بين الأصدقاء، وأقام العلاقة بين الأصدقاء على الحب والإخلاص والوفاء والإيثار والعفو والتسامح.

وورد الحديث عن هذه القيمة في القرآن الكريم في قول الله تعالى: «وما لنا من شافعين ولا صديق حميم»، وهو شأن كل من ضل الطريق وسار في طريق الغواية والانحراف، فهو لا يجد من يشفع له، ولا يجد من يخلصه النصيحة من الأصدقاء.

كما أخلص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، النصيحة لكل المسلمين باختيار الصديق الصالح الذي يكون عوناً للإنسان في كل المواقف يعضده عندما يحتاج إلى ذلك، ولذلك حث على ملازمة الجلساء الصالحين، وحذر من الفاسدين؛ وذلك لما للرفقة والمجالسة من تأثير على الفرد في حياته وسلوكه، فإذا كانت الرفقة صالحة فإنها تقوده إلى الخير وتدله عليه، وإذا كانت سيئة ستقوده إلى الشر لا محالة.

وضرب رسولنا الكريم مثالاً لتأثير الصديق في حياة الإنسان وفكره ومنهجه وسلوكه؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، أي يعطيك، وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة. ونافخ الكِير: هو الحداد الذي يصهر الحديد وينفخه فيتطاير الشرر، فالرسول يشبه الجليس الصالح بحامل المسك أو الطيب، إما أن يعطيك مسكاً أو طيباً على سبيل الهدية أو أن تشتري منه، أو تجد منه ريحاً طيبة. وكذلك الجليس الصالح فإنه يخلص لك النصيحة ويغفر زلتك ويقيل عثرتك ويستر عورتك، وإذا اتجهت إلى الخير حثك عليه ورغبك فيه، وبشرك بعاقبة المتقين وأجر العاملين وقام معك فيه، وإذا تكلمت سوءاً أو فعلت قبيحاً منعك عنه بلطف، وحال بينك وبين ما تريد، فواجب الصداقة وحسن العشرة بين الأصدقاء يفرض عليه أن يفعل ذلك.

كما وجّه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى ضرورة الإخلاص في الصداقة، وأن تتجرد علاقة المودة والمحبة بين الأصدقاء من كل الأهواء والمصالح الدنيوية؛ لذلك قال في الحديث الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار».

وقوله عليه الصلاة والسلام: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» إشارة إلى الحب والمودة والرحمة التي تجمع بين الأصدقاء، فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه جزء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً. وأسباب الحب بين الناس كثيرة ومتنوعة ويجب أن ترقى فوق كل المنافع والمصالح وأن تكون متجردة عن كل هوى، فالصديق الصالح قدوة حسنة وعون على الخير وهو محفز للهمة للإسهام في جميع مجالات البر فمن أحب إنساناً أحب صحبته واحتذى حذوه واقتدى به واهتدى بهديه، وكان على الخير دليله، أما في الآخرة فحسبهم الرفقة التي أكرمها الله برضوانه وما أعد لهم من نعيم مقيم شاء الحق سبحانه به في قوله سبحانه: «الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون».

الصفات الكريمة

إذا كان الإسلام نشر بين الناس جميعاً قيم الوفاء والإخلاص والتسامح والرحمة فهي في محيط الأصدقاء أولى، ولذلك هذب الإسلام العلاقة بين الأصدقاء وجردها من كل هوى.

يقول د. محمد سالم أبو عاصي، الأستاذ بالأزهر الشريف: الوفاء هو أكسير العلاقة بين الأصدقاء، وكل علاقة بين شخصين تخلو من الوفاء والإخلاص تنتفي عنها صفة الصداقة، ومن الطبيعي أن يكون الوفاء علاقة تبادلية، فكما تتوقع من صديق لك أن يكون وفياً معك يجب أن تكون كذلك معه، وكلما كان هناك وفاء وإخلاص وتسامح وعفو ورحمة وإيثار، ارتقت العلاقة بين الأصدقاء، وبذلك تكون الصداقة ملتقى كل الصفات الكريمة والأخلاق الطيبة، والخصال الشخصية الحسنة.

ويضيف: الإسلام دين التعارف والتعاون والتلاقي بين الناس جميعاً، والصداقة بين أبناء الجنس الواحد مطلوبة ومرغوبة ليحدث التلاقي والتواصل الذي يستهدفه الإسلام، لكن هذه العلاقات تنضبط بضوابط الشرع حتى لا تكون سبباً في الانحراف ونشر الفساد الأخلاقي في المجتمع.

من هنا كان التوجيه النبوي باختيار الأصدقاء اختياراً صحيحاً، لأن الصداقة تؤثر في السلوك عن طريق المحاكاة وتبادل الأفكار، ومن أفضل ما جاء في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء...» ومن هنا يجب على الآباء والأمهات أن يكون لهم توجيه تربوي أخلاقي في اختيار أولادهم للأصدقاء. أما الصداقة بين الشباب من الجنسين، فتحتاج إلى ضوابط وآداب إسلامية للتلاقي حتى تكون بريئة من كل الانحرافات السلوكية والتجاوزات الأخلاقية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"