تغييرات أساسية في الإيديولوجية القومية

01:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. علي محمد فخرو

في مقالة الأسبوع الماضي بينا لشابات وشباب الأمة، أمل المستقبل وإمكانياته الهائلة، خطأ القائلين بعدم جدوى الإيديولوجيات في المجتمعات العربية. ولقد ركزنا على الأهمية القصوى لتطوير كل إيديولوجية بصورة دائمة لإنعاش حيويتها ولربطها بكل مستجدات الواقع الذي تسعى لإصلاحه وتغييره. وهذا ما حدث للإيديولوجية القومية العروبية عبر العقود الماضية، ولكن بصورة خاصة بعد تراجع تواجدها الفاعل منذ سبعينات القرن الماضي.
 ولعل أكبر محاولة للمراجعة والتجديد تمثلت في المشروع النهضوي العربي الذي عمل على بلورته بضع مئات من مفكري ونشطاء السياسة العرب بمبادرة من «مركز دراسات الوحدة العربية».
 كان أكبر تطوير هو اعتبار الديمقراطية، بمكونها السياسي القائم على حرية التعبير، وتكوين الأحزاب، والانتخابات النزيهة، وفصل سلطات الحكم التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتبادل دوري لسلطات الحكم، والاحتكام إلى القانون، والمواطنة المتساوية، وأيضاً وبصورة مساوية بمكونها الاقتصادي القائم على عدالة توزيع الثروة والحفاظ على الكرامة الإنسانية ومسؤولية الدولة عن توفر الخدمات الاجتماعية والمعيشية الأساسية، اعتبارها جزءاً أساسياً من المشروع النهضوي العربي.
 هذا التطوير كان خطوة هائلة في إيديولوجية اعتقدت في بداياتها أن الديمقراطية ليست أكثر من لعبة تضليلية في يد قوى البرجوازية والثراء في المجتمع، وبالتالي لا أهمية لها.
 وكان التغيير الثاني الكبير هو اعتبار التنمية الإنسانية الشاملة المستقلة مكوناً لازماً في الإيديولوجية القومية العروبية، وفي قلبها بالطبع الموضوع الاقتصادي. لكن المشروع اكتفى بوضع المبادئ العامة، من مثل العدالة الاجتماعية ورفض التبعية، دون أن يسمي النظام الاقتصادي المنشود بالاسم. ولعله كان يحاول تجنب الدخول في المماحكات القديمة حول «الاشتراكية العربية»، مرجعية ومبادئ وتطبيقاً في الواقع، أو لعله كان ينتظر ما تسفر عنه مقولات وتطبيقات هجمة الاقتصاد الرأسمالي العولمي النيوليبرالي في بداية الثمانينات، والذي اكتسح العالم وحل محل كل أنواع الاقتصادات السابقة.
 وهذا الموضوع، في رأيي، هو الذي سيكون أجندة التغيير القادم في الإيديولوجية القومية العروبية، وذلك بعدما تبين للجميع مقدار وعمق الكوارث الإنسانية التي أنتجها النظام الاقتصادي الرأسمالي العولمي الجديد. وسيتلخص الموضوع في طرح السؤال التالي: هل حان الوقت للحديث عن نظام اقتصادي جديد غير رأسمالي، سواء عولمي نيوليبرالي أم كلاسيكي قديم، ليكون مكوناً رئيسياً من مكونات الإيديولوجية القومية العروبية الذي حاول المشروع النهضوي العربي رسم كل مكوناتها؟
 في اعتقادي أن المراجعات الجادة على مستوى العالم، للنظام الرأسمالي من جهة، وللنظام الاشتراكي الماركسي من جهة أخرى، وبروز النظام الاقتصادي الصيني المزاوج بين بعض مكونات النظامين كتجربة تثير الانتباه وتحتاج لدراستها بتمعن، وطرح بعض دول العالم الثالث لأنظمة اقتصادية لا تخضع في تفاصيلها لأي نظام اقتصادي... في اعتقادي أن كل ذلك يستوجب أن نفكر، نحن العرب، في تبني نظام اقتصادي، يأخذ واقعنا وتاريخ محاولاتنا السابقة ودروس المجتمعات الأخرى بعين الاعتبار، ويبتعد عن الترقيعات والمخاوف غير المبررة، وذلك من أجل التأكيد والإثبات، خصوصاً لأجيال الشباب والشابات، بأن الإيديولوجية القومية العروبية تتمتع بالحيوية والمرونة والانفتاح والندية الحضارية. وسنعود للملامح الأساسية لذلك في مقال قادم.
 إذا كنا نريد للطاقات الثورية الشبابية العربية أن تنتظم في مشروع استراتيجي سياسي كبير مستقبلاً، فعلينا أن نعض بأسناننا على موضوع الإيديولوجية في الحياة العربية.
[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"