عادي

«كل المدن أحلام».. رؤية شعرية في أدب الرحلات

22:43 مساء
قراءة دقيقتين
2701

تظل المدن دائماً مغلقة على أسرارها، لا تهب نفسها إلا لمن يشقى في البحث عنها، مثل السر الخفي الأعظم، الذي لا يكشف عن نفسه إلا لمن يسعى إليه، فالمدينة باب واسع دخله كثيرون، وكان أبرزهم أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه الشهير «مدينة بلا قلب»؛ حيث تلقى صدمة الحداثة المادية.

هل انتقلت إلى الشاعر جرجس شكري عدوى تلك الصدمة الحضارية، حين خاض تجربة حجازي ذاتها؟! ربما كانت تجربته أقسى، فهو قادم من مجتمعات مغلقة، لا تمنح نفسها للمقيمين فيها بسهولة، فما بالك بالعابرين، والشاعر في ذاته عابر، حتى لو كان مقيماً، وهذا ما يضاعف غربته، لتتحول إلى إقامة دائمة.

هذا الكتاب وعنوانه «كل المدن أحلام» يمثل خبرات جديدة وكبيرة، اكتسبها جرجس شكري، من السفر إلى أوروبا، مدعواً بصفته شاعراً أو ناقداً مسرحياً، ليكتشف أن الحياة في أوروبا شعر، ولهذا تعامل مع تلك المدن بروح الشاعر.

إنه يتعرض لصدمة من نوع آخر: «سوف تظل دهشتي من جمهور الشعر، أو قل الصدمة التي مازال أثرها عالقاً في نفسي؛ وذلك من خلال علاقة الجمهور بالشعر، الذي يدفع ثمن بطاقة الحضور، ويرتدي أجمل ما لديه، للسماع، رغم برودة الطقس، رغم الجليد».كأن الشعر طقس اجتماعي، يمارسه هؤلاء بمحبة، برغبة قوية، حتى إن المدن التي تجمدت من برودة الطقس، تدب فيها الحياة داخل القاعات مع الأمسيات الشعرية، وتلك مفارقة أخرى تتصل بصدور هذا الكتاب عن دار آفاق للنشر والتوزيع، في هذا التوقيت الذي ينادي فيه الجميع، بما عرف بالتباعد الاجتماعي.

الكتاب «تعتمد بنيته العميقة على الحركة في لحظة تاريخية نادرة، شعارها التباعد الاجتماعي، لحظة أغلق فيها العالم أبوابه للمرة الأولى؛ إذ فجأة توقفت الأقدام عن الحركة، لحظة تاريخية نادرة، تعطلت فيها كل فنون الفرجة».

تقوم حبكته الأساسية حول الرحلات والسفر، والتنقل بين المدن، ومخالطة أعداد كبيرة من البشر، في أماكن مختلفة، ويعتمد في بنيته الأساسية على التقارب الاجتماعي والثقافي، الذي حدث بين الشاعر والآخرين.

يستعيد الكاتب تلك الرحلات والسفر إلى المدن المسحورة، التي تبدو وكأنها خارجة من غلاف كتاب «ألف ليلة وليلة» بأماكنها وحجارتها وناسها، يشعر وكأنه يسافر مرة أخرى إليها من خلال الكتابة، يزور هذه المدن ويشارك في أمسياتها، يحلق في الفضاء، بينما العالم عاطل عن الحركة، من هنا تبدو المدن أحلاماً، عاشها في الواقع من قبل، ويعيشها مرة ثانية على الورق.

في سويسرا يبحث بين الوجوه عن دورينمات وماكس فريش في مقهى الأوديون، وفي هولندا يبحث عن سبينوزا متشرداً في الشوارع، وفي أمستردام تخيل أنه سيشاهد لوحات فان جوخ في الحقول بين الفلاحين، وفي شوارع المدن الألمانية كان يشاهد الفلاسفة والمفكرين، يهرولون في الطرقات، هرباً من ضجيج السيارات، وفي برلين عاش يوماً كاملاً، بين بيت ومسرح ومقبرة برتولد بريخت، وتجول في بيت جوته.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yjej6jss