عادي

روسـيا والغـرب.. حـوار اللحظـة الحرجـة

01:21 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

كتب - المحرر السياسي:

بين فسحة الأمل التي يوحي بها بدء عملية التفاوض المباشر بين الأمريكيين والروس في جنيف، وتعنت كل طرف منذ البداية حيث تصدر التصريحات النارية عن كليهما، يعيش العالم لحظة حرجة مشوبة بقلق متصاعد تغذيه التحالفات والمحاور وسط تمسك روسيا بشروطها وعجز الغرب بسياساته المشتتة عن مواجهتها.

وسط هذه التعقيدات انتهت يوم الاثنين في جنيف المحادثات الروسية الأمريكية بشأن الضمانات الأمنية الروسية والأزمة الأوكرانية، خلف الأبواب الموصدة في ظل توتر متزايد في العلاقات بين الطرفين. ووصفت موسكو الجولة الأولى من المحادثات بأنها «إيجابية».

 مواقف متباعدة 

 وقد تنافس الروس والأمريكيون على إطلاق التصريحات النارية حتى قبل بدء المحادثات، ما يشير إلى كم العقبات التي تعترض مهمة الوفدين. فقد أعلن الكرملين الاثنين أنه لا توجد خطط لإجراء اتصال هاتفي بين الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن في أعقاب المحادثات الروسية الأمريكية الجارية في جنيف، وهو اللقاء الذي عوّل عليه المتفائلون قبل بدء المحادثات في تحقيق انفراج.

 أما وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، فقد قال إنه «من الصعب جداً إحراز تقدم فعلي في المحادثات بينما يصوب الروس مسدساً نحو رأس أوكرانيا».  وقالت ويندي شيرمان نائبة وزير الخارجية الأمريكية التي ترأست وفد بلادها، إن «دعم الولايات المتحدة للمبادئ الدولية المتعلقة بالسيادة والسلامة الإقليمية، ولحرية الدول ذات السيادة في اختيار تحالفاتها، هو في صميم السياسة الأمريكية»، في إشارة إلى حق أوكرانيا في علاقاتها مع الدول الغربية وحلف الأطلسي.

 وفي الإطار نفسه التأم مجلس روسيا- الناتو يوم الأربعاء لأول مرة منذ عام 2019 للبحث في الأزمة الأوكرانية والضمانات التي تطالب بها روسيا، في مقرّ حلف شمال الأطلسي وسط أجواء من التوتر والاتهامات المتبادلة، وذلك لمحاولة تجنيب المنطقة ما تعتبره واشنطن تهديداً روسياً باجتياح أوكرانيا، غير أن موسكو لم تُبدِ أي علامات تهدئة. وأطلعت نائبة وزير الخارجية الأمريكية ويندي شيرمان الثلاثاء ممثلي الدول الثلاثين الأعضاء في حلف شمال الأطلسي على فحوى المفاوضات التي أجرتها في جنيف مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف. ولم تكن محادثات جنيف حاسمة، حيث بقي كل من الروس والأمريكيين متمسّكين بمواقفهم.

وأثار التصعيد الأخير مخاوف لدى الناتو من تكرار ما حدث عام 2014، عندما ضمت روسيا بالقوة شبه جزيرة القرم على البحر الأسود ودعمت الانفصاليين في شرق أوكرانيا. وعزز ذلك شعوراً في الغرب بأن روسيا قادرة على القيام بما تريد والإفلات من العقاب.

 وقال مسؤولون في الناتو في لقاء مع شبكة «سي إن إن»: إن موافقة روسيا أخيراً على الاجتماع تعد تنازلاً كبيراً وإشارة إلى أن الدبلوماسية يمكن أن تؤدي إلى خفض التصعيد، إلا أنهم حذروا أيضاً من أن الكرملين الذي يصعد سياساته العدائية قد لا يتحرك عن حسن نية.

 مطالب روسية

 وكانت موسكو قد نشرت الشهر الماضي مسودتي اتفاقيتين تحددان مطالبها بنزع فتيل التوترات على الحدود الأوكرانية. وتشمل هذه المطالب التراجع عن عمليات توسع الناتو في أوروبا الشرقية إلى الوضع الذي كان في التسعينات، ما يعني أن العديد من الدول المجاورة لروسيا والتي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي ستكون أقل حماية من قبل الحلف. كما طالبت روسيا بوعود من الناتو بعدم التوسع شرقاً، وهو ما يعد مطلباً غير مقبول وبداية غير مشجعة من منظور الناتو.  وتقول مصادر الناتو إن المطالب يمكن أن تكون «سخيفة بشكل متعمد لفرض التراجع في مجالات أخرى مثل قبول أعضاء جدد في الناتو مثل أوكرانيا وفنلندا، أو يمكن أن تكون ببساطة ذريعة تسمح للمسؤولين الروس بالقول إنهم حاولوا التفاوض، لتبرير التصعيد أمام مواطنيهم».

 ومع ذلك يوفر الحوار الحالي فرصة للحلف لاتخاذ موقف حازم وموحد. فإذا تعمدت روسيا تصعيد التوترات، فسوف تواجه عواقب اقتصادية خطيرة.

 ما يلفت الانتباه عند التحدث إلى المسؤولين والخبراء هو الشعور بأن الغرب أقل خوفاً من روسيا هذه المرة مما كان عليه في السنوات الأخيرة. وبينما فرض الغرب عقوبات على روسيا بسبب قرارات الكرملين المختلفة، فمن الإنصاف القول إنه كان من الممكن أن يذهب في محاولة ردعها إلى أبعد من ذلك.

 من هنا قد تكون الاجتماعات الحالية أكثر أهمية بالنسبة للغرب الذي يتخذ موقفاً شبه موحد، ربما يرسل رسالة أقوى في لحظة حرجة. ومثلما يحاول بوتين تعزيز مكاسبه مرة أخرى، ستكون لدى الغرب الفرصة ليقول في إطار دبلوماسي رسمي إن صبره نفد.

 ولكي تكون أي عقوبات جديدة أكثر فاعلية في ردع موسكو من المحاولات السابقة، يجب أن يكون الغرب الذي تجنب في الماضي استهداف الديون السيادية الروسية، ومسائل تجارة الطاقة، مستعداً لتحمل بعض الألم.

 فيما يتعلق بالمسألة الشائكة المتمثلة في القوة الصارمة التقليدية والتوسع المحتمل لحلف الناتو، يعتقد البعض أن دول الغرب لديها سبب للشعور بالتفاؤل عندما تلتقي مع الروس.

 من الواضح أن المحادثات ستكون متوترة ولن يكون حل الأزمة الأوكرانية سهلاً. ويعتقد المحللون أن بوتين يمكن أن يكون في أخطر حالاته عندما يُحشر في الزاوية، وهو حالياً يتلاعب بأزمات السياسة الخارجية المتعددة بعد نشر القوات الروسية في كازاخستان المجاورة لقمع الاضطرابات في أعقاب الاحتجاجات العنيفة المناهضة للحكومة.

وكان الموضوع المتداول في دوائر الكرملين على مدار السنوات القليلة الماضية هو القفز على أخطاء الغرب في الحكم، واستخدام كل ما لدى روسيا من قوة لتعزيز سيطرتها.

 ويقر العديد من مسؤولي الناتو، أن بوتين يهتم بأوكرانيا أكثر بكثير من اهتمام الغرب بها، وسيكون لديه صبر لا حدود له للحصول على ما يريد إذا شعر بالضعف.

وإذا أراد الغرب الاستفادة من موقعه في هذه اللحظة الحرجة وتحجيم الدور الروسي، فيجب أن تكون وحدته غير قابلة للكسر. وقد يؤدي تكرار أخطاء عام 2014 إلى إنشاء نسخة أكثر خطورة من الزعيم الروسي إذا كان قادراً على التحديق مرتاحاً في وجه أقوى تحالف على وجه الأرض.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"