مفارقة التنوير

00:43 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

هناك الكثير من المصطلحات التي شاعت لفترة في الساحة الفكرية العربية، ولم نلبث أن توقفنا عن استخدامها وكأنها لم تكن تملأ الدنيا وتشغل الناس، ويأتي التنوير على رأس تلك المصطلحات. فعندما توفي الدكتور جابر عصفور المفكر ووزير الثقافة المصري الأسبق، منذ أيام، تذكرت بعض وسائل الإعلام والصحف وبعض الكتاب، التنوير الذي كان الراحل من أبرز المدافعين عنه في وجه جماعات التطرف والإرهاب.

راج مصطلح التنوير في كثير من أقطار الوطن العربي في حقبة التسعينات من القرن الماضي، خاصة في الجزائر ومصر، بسبب تفشي العنف المرتبط بأفكار ظلامية تهدف إلى العودة بالمنطقة إلى القرون الوسطى، ولم يكن هناك حديث للمفكرين العرب إلا التنوير سواء من خلال الترجمة أو التأليف أو العودة إلى التراث العربي لتأكيد أن قيم التنوير الأساسية لا تتناقض مع جوهر ثقافتنا؛ بل قرأنا عن أكثر من تجربة غربية في التنوير. فإذا كانت تجربة التنوير ترتبط أساساً بالفلاسفة الفرنسيين في القرن الثامن عشر: روسو وديدرو ومونتسكيو وفولتير، إلا أن البعض تحدث عن تنوير بريطاني وآخر أمريكي، كان الهدف اختيار النموذج المناسب أكثر لنا.

كانت رؤيتنا للتنوير بمثابة المظلة الفكرية الواسعة التي تضم الديمقراطية والدولة المدنية، وحرية المعتقد، وإعمال العقل، وترسيخ الرؤية العلمية وحقوق الإنسان، وإتاحة المعرفة للجميع، ومن هنا الشغف بالفكرة التي تضم كافة تلك المكونات الجذابة.

ووصل ولع الجميع بالتنوير إلى الحديث عن المستبد المستنير، فإذا كانت بعض التجارب عجزت لسبب أو آخر عن الديمقراطية، فإنها لا يمكن أن تستغني عن قيم مثل العقلانية والأخذ بالعلم، وعندما ترجمت أعمال غربية أساسية تنتقد التنوير بوصفه تلك المنظومة النظرية التي تدعي الإنسانية، بينما مارس الغرب ما يتناقض معها تماماً خلال حقبة الاستعمار، تمسك مفكرونا بالمبادئ النظرية بوصفها صالحة دوماً بعيداً عن ترجمتها على الأرض.

لقد كان التنوير بتعدديته وانفتاحه فكرة تناسب جميع الحداثيين والحالمين بالنهضة والتقدم، ولكن منذ نحو عقد أو أكثر تقريباً، بات من النادر أن نقرأ من يكتب في الفكرة أو من يدخل في معركة حول مفصل من مفاصل التنوير، فهل لم نعد بحاجة إليه؟.

ينتمي التنوير إلى حزمة الأفكار الكبرى التي اختفت أو باتت على وشك الاختفاء بفعل منظومة العولمة ولواحقها، ينتمي كمصطلح إلى سلالة فكرية تدفع العقل إلى العمل والسؤال وهذه مفردات لم تعد مطلوبة في هذا العصر، هنا بإمكاننا أن نلاحظ مثلاً، اختفاء النقد بكافة أشكاله: النقد الفكري والأدبي، واختفاء اليسار الفكري، بكل معاركه وجدله. ولم يكن تراجع توظيف هذه المفردات هو المطلوب وحسب، ولكن الأهم كذلك، تأسيس نخبة جديدة لا تتعاطى مع هذه الأفكار، وإن تحاورت حولها فبخفة وبصورة لحظية سريعة لا تؤثر في العقل.

لقد كان نشر المعرفة وتوسيع شرائح النخبة حلم آباء التنوير والمؤمنين به، ولكن المفارقة تمثلت في أن هذا الحلم كما تجسد في مواقع التواصل ومؤثريه، أصاب التنوير في مقتل.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yc7w5472