عادي

«نهضـة» تونـس لـن تنهـض

01:27 صباحا
قراءة 4 دقائق
3

د. محمد عز العرب *

أوقفت القوى الأمنية التونسية في 31 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نائب رئيس حركة النهضة وعضو مجلس نواب الشعب (البرلمان المجمد) ووزير العدل الأسبق، نورالدين البحيري، بناء على قرار وزير الداخلية توفيق شرف الدين، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ما يعد عملاً بالقانون المنظم لحالة الطوارئ حفاظاً على الأمن والنظام.

سلطت وسائل الإعلام التونسية الضوء على أن إيقافه مرتبط بتجاوزاته حينما كان وزيراً للعدل. ويعد ذلك هو أول مسؤول كبير في حركة النهضة يتم إيقافه بعد القرارات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد، في منتصف العام الفائت لتصحيح مسار الانتقال السياسي في تونس بعد عشر سنوات من المتاهة التي أعقبت ثورة الياسمين.

 رد النهضة

 تفاعلت حركة النهضة من زوايا متعددة، أولاها إعلان في بيان بعد ساعات من الواقعة «اختطاف نائب رئيس حركة النهضة واقتياده لجهة غير معلومة». وذكرت أن هذه الحادثة «تنبئ بدخول البلاد في نفق الاستبداد وتصفية الخصوم السياسيين خارج إطار القانون». وفي مسار آخر، مارست الحركة العنف، حيث اقتحم ناشطون تابعون لها في 3 يناير/ كانون الثاني الجاري، مركزاً أمنياً في محافظة بنزرت شمال غرب العاصمة، للضغط من أجل إخراج البحيري بالقوة. علاوة على ذلك، وظفت وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الشأن، إذ نشر بعض نشطاء حركة النهضة معلومات مغلوطة حول تدهور صحة البحيري وذهابه إلى المستشفى، قبل أن يتم تكذيبها لاحقاً.

 مثير للجدل

 شغل البحيري منصب وزير العدل بين عامي 2011 و2013، ثم صار وزيراً معتمداً لدى رئيس الحكومة علي العريض بين عامي 2013 و2014، في حكومة الترويكا التي قادتها حركة النهضة. ويعد البحيري الذراع اليمنى لراشد الغنوشي، فضلاً عن كونه «إمبراطور القضاء» أو «عدل البحيري» كما تصفه العديد من الكتابات التونسية حيث عزل أكثر من ثمانين قاضياً من مناصبهم بتهمة الفساد.

وقد وجهت له اتهامات محددة تتمثل في السيطرة على الجهاز القضائي التونسي بما يخدم حركة النهضة، وهو ما تعززه وقائع بعينها، ومنها السيطرة على القضايا الحساسة عن طريق المدعي العام القاضي البشير العكرمي من عام 2012 حتى إحالته على القضاء في عام 2020، بتهمة إخفاء أدلة، لا سيما في قضايا اغتيال المعارضَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013، فضلاً عن بعض الجرائم الإرهابية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس سعيّد أشار أكثر من مرة إلى البحيري في تصريحاته من دون ذكر اسمه، واتهمه بإتلاف وثائق في وزارة العدل. كما تحدث عن ثروته وأملاكه التي تثور حولها الشبهات.

 وتزامن مع ذلك أيضاً إصدار النيابة العامة في المحكمة الابتدائية التونسية قراراً في 5 يناير/ كانون الثاني 2022 بإحالة 19 شخصية سياسية من المرشحين السابقين في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في عام 2019، إلى التحقيقات العاجلة، بناء على طلب من وكيل الدولة العام لدى محكمة المحاسبات إلى النيابة العامة (العمومية) في المحكمة الابتدائية بعد أن رصدت محكمة المحاسبات جرائم انتخابية ارتكبها هؤلاء المرشحون، ومن بينهم عدد من قيادات حركة النهضة وعلى رأسهم رئيس حركة النهضة «راشد الغنوشي»، إلى جانب الرئيس الأسبق «المنصف المرزوقي»، وفقاً لأحكام الفصل الرابع والعشرين من القانون الأساسي عدد 41 الصادر عام 2019 المتعلق بمحكمة المحاسبات التونسية.

 اتهامات متعددة

 وبالتالي، توجه اتهامات متعددة لرموز وقيادات النهضة في الآونة الأخيرة تتعلق بتوظيف القضاء لتحقيق مصالح حزبية، إلى جانب تورط حركة النهضة في الحصول على تمويلات أجنبية من جهات أجنبية لتزوير إرادة الناخبين خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة وتوقيع عقود مع منظمات ضغط أجنبية لنفس الغرض، علاوة على تمويل تنظيمات إرهابية وجماعة متطرفة. إذ يعد من أبرز الاتهامات الموجهة إلى قادة الحركة، وعلى رأسهم البحيري، القيام بتزوير وثائق رسمية ومنح الجنسية لبعض العناصر الأجنبية المنتمين لبعض التنظيمات الإرهابية بالتعاون مع القيادي الإخواني «فتحي البليدي»، (قيادي سابق في وزارة الداخلية)، ومنها عملية تهريب الإرهابي المعروف باسم «أبو عياض» (القائد العسكري في تنظيم أنصار الشريعة الذي قام باغتيال الناشطَين «شكري بلعيد» و«محمد لبراهمي») ومن المرجح أن تطال تهمة تمويل الإرهاب كلاً من رئيس الحكومة الأسبق «علي العريض» والرئيس الأسبق «المنصف المرزوقي»، حيث تمت هذه الإجراءات في ظل تواجدهم جميعاً في السلطة حينذاك.

 تداعيات محتملة

 يلقي الوضع المأزوم لقيادات النهضة، بتداعيات على المستقبل السياسي للحركة خلال الفترة المقبلة، ومن ذلك ما يلي:

* أولها، تراجع القواعد الشعبية للحركة. فمن شأن إلقاء القبض على بعض قيادات حركة النهضة، والقضاء على أذرعهم داخل مؤسسات الدولة ولاسيما داخل الأجهزة الأمنية، وتحديداً وزارة الداخلية، التمهيد إلى تحييد قدرات حركة النهضة على نحو يؤدي إلى خسارتها القدرة على المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة والمقررة في 17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، في ظل تراجع القواعد الشعبية بعد انكشاف الجرائم المتورطين فيها.

* ثانيها، تلاشي تأثير الكتلة البرلمانية للنهضة، من المحتمل أن تسهم التحقيقات بشكل كبير في المزيد من إضعاف الحركة سياسياً، خاصة أن محكمة المحاسبات أعلنت أنه في حالة التأكد من تورط أي مرشحين في قضايا الحصول على تمويلات أجنبية خلال انتخابات عام 2019، فسيتم إسقاط عضوية كل قائمة فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ما من شأنه زيادة معاناة حركة النهضة التي شهدت في الثلث الأخير من العام الفائت حركة استقالات جماعية لأعضائها.

* ثالثها، تصاعد دعوات تأسيس حزب جديد، نتيجة عدم قدرة الأجيال الأكبر سناً على إدارة حركة النهضة في هذا التوقيت، والضربات التي تتلقاها حركة النهضة منذ فرض الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/ تموز الماضي، وما تلاها من إجراءات شملت تجميد البرلمان، ورفع الحصانة عن كل أعضائه، بمن فيهم أعضاء حركة النهضة، وما ترتب على ذلك من تداعيات على تماسك أعضاء الحركة واتجاه العديد منهم للتبرؤ من عضويتهم فيها، بحيث ظهرت دعوات لتأسيس حزب سياسي جديد يحمل أفكاراً وتوجهات سياسية مغايرة.

* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"