يوميات «كورونا»

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

أخيراً، أُصاب بفيروس «كورونا»، رسمياً كما يقولون صباح الأربعاء الماضي، بهدوء وبأعصاب باردة حين جاء في تقرير الفحص التقليدي بأن النتيجة «إيجابي»، ولكن جسد الإنسان يخبره بحالته قبل المختبر، قبل الفحص لم يكن جسدي هو جسدي. ارتفاع في درجات الحرارة، والأصعب من ذلك تلك الحمّى التي لا تزورني إلّا في الليل. تذكرت محمود عبد العزيز في أحد الأفلام: «أنا مش أنا يا دكتور». 
 هذه أول مرة أُصاب بالفيروس منذ توحشه في العالم قبل نحو أكثر من عامين، وبعد جرعتين من التطعيم، وفوق كل ذلك احتياطات واحترازات يومية أهمّها التباعد، والكمامة، والتعقيم، ولكن الفيروس ينتظرك، كما يبدو. في لحظة ما، وفي مكان ما، كما لو يستدرجك إلى الوقوع في براثنه وفي إطاره الوبائي. أولاً يجسّ «كورونا» قوّة إرادتك وكيفية استجابتك للنتيجة المخبرية، ويعرف الفيروس بطبيعته الاختبارية الداهية في ما إذا كنت ضعيفاً، أو على وشك الاستسلام والانسحاب الكلي بينك وبين نفسك على أساس أنك الآن مريض كوني، أو مريض عالمي، قد تنضم إلى قائمة ضحاياه المليونية. 
 أولاً، ابتسمت، وتمددت على فراشي، ورحت، رويداً، رويداً في نوم متقطّع على صفيح من الحمّى التي أهدتني بعض الصور الهذيانية ولكنها جميلة. مثلاً حلمت أنني طالب في كلية الفنون الجميلة، ولكن في أي جامعة؟؟.. لا أدري. 
 رحت أيضاً، أسأل شخصاً لا أعرف ملامحه على وجه الدقة ظهر فجأة في النوم عن «شي» اسمه «الإطار». سألته في قلب الحُمّى: أين «الإطار»؟، وقلت له: اكتب عن «الإطار». 
 ما هو هذا «الإطار» الذي شغلني، كما أظن، وقتاً طويلاً تحت وطأة الحمّى التي أخدت تتراجع بهدوء وبطء إلى أن ذهبت في نوم عميق، مغموراً بوابل من العرق البارد. 
 منذ أن اجتاح العالم وباء «كورونا» أخذت أجمع أرشيفاً صحفياً ضخماً من حالات وقصص وأخبار وصور هذا الوباء لأجعل منه كتاباً يوثق أدبياً لواحد من الأوبئة العالمية في القرن الحادي والعشرين، ولكثرة وضخامة المادة الأرشيفية المجموعة، ثم بسبب من بعض التناقضات والملابسات التي رافقت انتشار الوباء في العالم، صرفت النظر تماماً عن فكرة إنجاز كتاب عن «كورونا»، لا بل تجنّبت الكتابة اليومية عن «كورونا» تطيّراً من سيرة الوباء، واحتراماً لمزاج القارئ الذي يحب أن يكتب له كتابة عن الأمل والحياة والتفاؤل. 
 في ما بعد أخذت أسخر من الوباء، وحذفت من مكتبتي الشخصية كل الكتب التي تتحدث عن الأوبئة في التاريخ: من الكوليرا، مروراً بالجدري، وليس انتهاء بالطاعون. 
لم آخذ على محمل الجدية والانتباه أية أخبار وأية معلومات تتعلق بكورونا، وشعرت أن تجاهلي هذا الوباء في محلّه، لا بل شعرت أن العالم قد انتصر على الوباء بعد خبر صغير قرأته على شاشة إحدى الفضائيات، يفيد أن «كورونا» سينتهي تماماً في 2022، وفق مصدر عالمي: منظمة الصحة العالمية. 
 سآخذ الآن على محمل الجدّ أن كورونا وصل إليّ منذ أربعة أيام، وإذ اكتب الآن عن تجربة حقيقية وليست أرشيفية وكتب تاريخ الأوبئة في العالم، وبين الحمّى التي جعلت مني طالباً في كلية الفنون الجميلة. 
غداً أواصل.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"