الغرب والبحر الأسود

00:19 صباحا
قراءة 3 دقائق

يشكل البحر الأسود أهمية كبرى بالنسبة لكل الدول المطلة عليه، لاسيما روسيا التي ليس لديها منفذ آخر للولوج إلى المياه الدافئة، وتسعى بكل الطرق الممكنة إلى الخروج من الحصار الذي يضربه عليها حلف «الناتو» من كل الجهات، وبالتالي، فإنه بعد عقود من نسيان الدول الغربية للبحر الأسود واستبعاده من حساباتها الجيواستراتيجية، عاد هذا البحر ليتصدر مجدداً اهتمام العواصم الغربية الكبرى التي بدأت تعمل على تعزيز حضورها في مياهه وأجوائه عبر سفنها الحربية وطائراتها المقاتلة، وذلك كرد فعل مباشر على تصاعد التوتر بين روسيا والغرب بسبب الأزمة الأوكرانية، وكرد فعل أيضاً من دول مثل فرنسا وبريطانيا على الحضور الروسي المتزايد في البحر الأبيض المتوسط الذي ينظر إليه الغرب على أنه يمثل جزءاً من مجال نفوذه التاريخي بسبب امتلاك عدد لا بأس به من دول أوروبا الغربية لحدود بحرية على مستوى الضفة الشمالية للمتوسط.
ويمكن القول إن البحر الأسود على الرغم من كونه لا يتمتع بالأهمية نفسها التي يتمتع بها البحر الأبيض المتوسط أو بحر الصين الجنوبي، فإن الصراع الراهن بين القوى الكبرى يجعله يكتسي أهمية قصوى، وتحديداً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وانضمام دولتين من حوض هذا البحر شبه المغلق إلى حلف «الناتو»، الذي بات يقترب من روسيا من كل الجهات.
لقد شهد البحر الأسود خلال السنوات القليلة الماضية توترات متصاعدة على خلفية قيام موسكو ببسط سيادتها على شبه جزيرة القرم، وانفجار الأوضاع شرقي أوكرانيا في منطقة دونباس التي يدين سكانها بالولاء لموسكو، ويسعون إلى الانفصال عن الحكومة المركزية في كييف، وحاولت روسيا في الفترة نفسها إبعاد الغرب عن البحر الأسود من خلال التحالف مع تركيا، حيث قامت بإنشاء أنبوب لنقل الغاز من روسيا إلى جنوب أوروبا عبر البحر الأسود والأراضي التركية.
ويأتي التوافق بين روسيا وتركيا بشأن مراقبة مناطق النفوذ في البحر الأسود، ليعزز التفاهمات التاريخية التي أُبرمت بين موسكو وأنقرة في زمن الاتحاد السوفييتي؛ إذ إن هناك مصالح مشتركة تجمع الطرفين على الرغم من تعارض الأجندات السياسية بين العاصمتين، حيث تعمل تركيا حالياً على الالتفاف على الدعم الغربي لليونان الذي يتم على حساب مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، من خلال الاقتراب بشكل أكبر من موسكو، وتريد روسيا في المقابل أن تحافظ على علاقات ودية مع تركيا لحاجتها الماسة لتسيير حركة مرور أساطيلها البحرية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل الواقعين تحت السيطرة التركية، وبخاصة بعد أن فقدت موسكو تأثيرها في باقي الدول المطلة على البحر الأسود لاسيما على أوكرانيا ورومانيا وبلغاريا، منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار التوازنات السابقة.
وهناك في السياق نفسه، قناعة متزايدة بالنسبة للولايات المتحدة أن مراقبة منطقة أوراسيا لا يمكن أن تتم بمعزل عن التحكم في البحر الأسود الذي يعتبر أحد المسارات الطبيعية المهمة التي تربط بين قارتي أوروبا وآسيا؛ إذ يشكل هذا البحر همزة وصل بين مناطق عديدة ذات أهمية جيواستراتيجية مثل البلقان في الجهة الجنوبية الشرقية من أوروبا، والقوقاز الذي يربط بين آسيا الصغرى، ومنطقة الشمال في الحدود الفاصلة بين قارتي أوروبا وآسيا؛ الأمر الذي يجعل من البحر الأسود ملتقى طريق مهماً للتجارة الدولية ومنطقة للالتقاء وللمنافسة بين شعوب وثقافات متعددة سبق لها أن دخلت في صراعات دامية من أجل الحفاظ على مصالحها.
ومن الواضح أن واشنطن تستعمل «الناتو» الذي يمثل ذراعها العسكرية المتقدمة في أوروبا بهدف احتواء ما تراه تهديدات روسية على جيرانها، ليس فقط على مستوى الحدود الشرقية لأوروبا في دول البلطيق وبولندا وبالقرب من الأراضي الأوكرانية، ولكن أيضاً على مستوى البحر الأسود الذي تضاعفت رهاناته بالنسبة للغرب، بعد أن أصبح جزءاً من مشروع الصين الخاص بطريق الحرير الذي بات يقض مضاجع أقطاب السياسة والمال في أمريكا.
[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"