الوضع الطبيعي الجـديـد في متناول اليد

21:53 مساء
قراءة 4 دقائق

مايك دولان *

غيّر فيروس كورونا الأولويات، وقلب ديناميكيات سلاسل التوريد العالمية والجغرافيا السياسية

راهن بأغلى ما تملك على الكيفية التي سيتشكل بها عالم بعد أزمة فيروس كورونا، لكن طالما أننا لم نجتز الخطر بعد، فالاقتصاد العالمي، مع دخولنا عام 2022، لا يزال بعيداً عن أي شكل من أشكال الطبيعية.

وكما حدث بعد الانهيار المصرفي العالمي قبل 13 عاماً، سارع الاقتصاديون ومديرو الاستثمار إلى التكهن ب «الوضع الطبيعي الجديد» الذي سيظهر بمجرد زوال الوباء.

وتهدف هذه العبارة الرنانة، والتي صيغت بعد الحرب العالمية الأولى، وتستخدم لوصف الوضع المتغير في أعقاب الأزمات العالمية، إلى معرفة المدى الذي يمكن تحمله من الأزمات حتى تتشكل حالة جديدة.

لقد شهد الوضع الطبيعي الجديد بعد عام 2008 استقرار الاقتصاد العالمي على مساحة عقد من النمو دون المستوى والتضخم غير الموجود. وأدت أسعار الفائدة المتدنية للغاية وحوافز البنك المركزي إلى دعم أسعار الأصول وتخفيف وطأة تقلبات السوق، لكن ركود الأجور في المقابل غذى الاستياء السياسي الغاضب.

واليوم، غيّر فيروس كورونا الأولويات السياسية، وساهم بتهدئة بعض هؤلاء الناخبين الغاضبين، وقلب ديناميكيات سلسلة التوريد العالمية وحتى الجغرافيا السياسية. ويتوقع بعض الاقتصاديين عقداً كاملاً من نمو الأجور الحقيقية، مقابل ارتفاع في معدلات التضخم وتكاليف الإقراض أيضاً، مع مزيد من التقلبات الاقتصادية. ومؤشرات ذلك باتت واضحة، فنحن نشهد بالفعل ارتفاعاً في معدلات النمو والتضخم، وعودة نشاط الاقتصادات وتراجع زخم بعض السياسات التحفيزية الداعمة أثناء الوباء. فهل هذا هو الوضع الطبيعي الجديد حقاً؟

مع طرح اللقاحات والتغلب على اختناقات الإمداد، من المفترض أن يكون هذا العام هو الفترة التي تستقر فيها الأوضاع وتتضح معالم الوضع الحقيقي للاقتصاد العالمي. ولكن مع استمرار التشوهات في التجارة الدولية، وأسواق العمل، وأسعار التجزئة، وعادات الإنفاق والادخار، فمن المستحيل تقييم الأساسيات حالياً وعلينا الانتظار.

وأدى الانفجار الذي أحدثه متغير «أوميكرون» الفيروسي مطلع العام، حتى لو تأكد أنه أكثر اعتدالاً وأقل خطورة، إلى زيادة ضبابية الصورة العامة. وعقّدت ردود الفعل المتفاوتة بين الاقتصادات الكبرى تجاهه، من صمود بريطانيا إلى عمليات الإغلاق والتتبع المشددة في الصين، التأثير الكلي للاقتصاد.

وظلت توقعات المستثمرين لعام 2022 عالقة إلى حد كبير بالاتجاه الصعودي للأسهم المدعومة بالأرباح، كما أظهرت البيانات تفضيلهم القطاعات الدورية عن التكنولوجيا وحذرهم البالغ من السندات ذات العائد المنخفض. وقوّض تذبذب سوق الأسهم منذ بداية العام، بسبب مشهد متحول آخر في سياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الثقة والأمل في عام جديد مليء بالازدهار.

بدوره، نصح جايسون دراهو، رئيس قسم تخصيص الأصول للأمريكتين في «يو بي إس جلوبال ويلث مانجمنت» الناس بالاستعداد لإنذارات البيانات الاقتصادية، وانخفاض العوائد، والمزيد من التقلبات، خصوصاً في ظل توقعات بوجود تشوهات مرتبطة بالمتحور «أوميكرون» على الطريق. وبأن أرقام النمو والتضخم من المرجح أن تسوء في الشهرين الأولين من العام الجديد. وأضاف دراهو: «هناك العديد من المسارات التي يمكن أن يسلكها الاقتصاد خلال الأشهر ال 12 المقبلة، وقد يختلف دليل الاستثمار المناسب فيما بينها بشكل كبير».

وتحدث خبراء استراتيجيون في «بلاك روك»، عن وجود تقاطع فريد للأحداث بين عودة تشغيل الاقتصاد، وسلالات الفيروس الجديدة، والتضخم الذي يحركه العرض، بالإضافة إلى الملامح المتغيرة للبنك المركزي، ما يخلق حالة من الإرباك في ظل غياب التوازنات التاريخية.

كل هذا ولم نتطرق إلى القضايا الدولية الأخرى، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والانتخابات الرئاسية الفرنسية والإيطالية، وتعزيز الرخاء العام للصين، ومتاعب قطاع العقارات، وتأثير أسعار الطاقة على المواجهة الروسية مع بعض جيرانها.

وقالت كاثرين ماكجينيس، مسؤولة السياسة في مؤسسة «سيتي أوف لندن»: «بالتأكيد نحن لسنا في وضع طبيعي جديد، نحتاج إلى طي صفحة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمضي قدماً». مشيرة إلى أن أخبار الوباء قد طغت على الأثر الذي خلّفه «بريكست» على قطاع المال البريطاني.

وتبدو البنوك المركزية واثقة تماماً بالمشهد الحاصل وبدأت تتراجع عن تقديم الرعاية المطلوبة في الأوقات الحرجة. فقد أصبح بنك إنجلترا الشهر الماضي أول بنك مركزي لمجموعة السبع يرفع أسعار الفائدة منذ بدء الوباء، ويعتزم بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تقليص مشترياته من السندات بالتوازي مع رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب. لكن يبقى القلق بخصوص ارتفاعات التضخم المستمرة، حتى لو كانت لا تزال مشوهة، دافعاً لهم أكثر من مجرد الإيمان بالعودة إلى الحياة الطبيعية.

كما بات واضحاً مرة أخرى، تقتبس الأسواق ببساطة أدلة وتحليلات صانعي السياسة بدلاً من إجراء تقييماتها المستقلة. وعلى الرغم من استمرار نموها بشكل إجمالي، إلا أن المعروض النقدي العالمي السنوي ونمو السيولة لدى البنوك المركزية يتباطأ بشكل حاد. وإذا كانت هذه البنوك تشعر بالقلق من أنها سمحت للتضخم بالرسوخ أكثر، فقد توقف المشهد بأكمله وتعيد خلط الأوراق.

ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، تفاقمت الأزمة أكثر الأسبوع المضي، ولا يزال بنك الاحتياطي الفيدرالي متشبثاً برؤيته للتضخم يعود إلى حاجز ال 2% من خلال أفق توقعاته، فضلاً عن اعتقاده بأن التشوهات التاريخية في سلاسل التوريد العالمية قريبة من ذروتها وستنتهي. وبالتالي ف «الوضع الطبيعي الجديد»، على ما يبدو، لا يزال في متناول اليد.

* محرر الأسواق المالية في «رويترز»

عن الكاتب

محرر الأسواق المالية في «رويترز»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"