حياتنا مبثوثة في صور

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

حتى قبل أن تعمّ ظاهرة التقاط الصور بكاميرات الهواتف الذكية، التي لم تعد توفر، في حالات كثيرة، حدثاً مهماً كان أو عادياً، دون توثيقه بالتصوير، ليخزن في ذاكرة الهواتف، وبالتالي في ذاكرة أصحابها. كان الناس يصورون بالكاميرات على أنواعها، لحظات عادية أيضاً. صحيح أن الأمر لم يكن بالهوس الحالي، لكنه كان موجوداً.
الكتب التي تعنى بتدوين السير الذاتية للأشخاص، خاصة ممن كان لهم شأن في الحياة العامة، يفرد مؤلفوها صفحات فيها لنشر صور لهم في محطات عمرية مختلفة، إدراكاً منهم أن هذه الصور تقول ما عجزت الكلمات عن قوله، أو كأن قول الكلمات لا يكتمل بدون هذه الصور.
كلنا، وبدون استثناء، تنتابه مشاعر مختلفة حين يعود إلى أرشيف صوره التي مرت عليها سنوات وعقود، ربما لأنها تنبئنا بأن العمر مَرّ، وأن الزمن قد ترك آثاره على ملامحنا، وربما يخطر في بال البعض السؤال: أنحن، وقد أصبحنا كهولاً، أنفسنا عندما كنا شباناً؟ الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تكون مُركبة، فمن ناحية ما زلنا نحن أنفسنا، لأننا لا نتحدث عن أشخاص سوانا، ومن ناحية أخرى ندرك أن الكثير فينا قد تغير، ليس في الشكل وحده، وإنما أيضاً في طبيعة التفكير والاهتمامات.
تأمل الصور القديمة سواء كانت لنا أو للقريبين منا، يوقظ ذاكرة غافية. هي لم تمت، ولكنها خلدت إلى النوم، وقد تظل نائمة حتى نرى تلك الصور فتوقظها، وعلينا ساعتها أن نجول في لجّة أزمنة سابقة، وتنتابنا مشاعر متناقضة تبعاً لما توحي به تلك الصور لنا، فقد يأتينا شعور بالحنين للزمن الذي التقطت فيه، ونتمنى لو كان بوسعنا إدارة السنوات للعودة إليه، على الرغم من إدراكنا أن هذا محال، وربما يأتينا الشعور النقيض، فنحمد الله على أن ذلك كان ماضياً، لا نريد أن نتذكره، لأنه يعيدنا إلى أحزان ولّت.
وأنتم تتصفحون وتُقلبون وتتأملون في صوركم القديمة، هل خطر في بالكم أن تتذكروا الأشخاص الذين التقطوها لكم؟ هذه بحد ذاتها حكاية؛ لأن هؤلاء الأشخاص غير ظاهرين في تلك الصورة، فيومها لم يكن ما يعرف ب«السيلفي» معروفاً، حتى وإن وجدت بعض الكاميرات التي يمكن برمجتها لتلتقط صورة سريعة لكل الحاضرين، ولكن هذه لم تكن ظاهرة شائعة.
الغائبون عن الصور ممن صوّرونا، يتعين أن يحضروا ساعتها. محمود درويش يقول: «لدي ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي، في مقهى يظنّه الجميع فارغاً، لكنه يعج بالغائبين». والغائبون هنا ليسوا من رحلوا عن الدنيا بالضرورة، فبينهم من أبعدتهم الحياة عنا من حيث لا نريد، لكنهم يظلون حاضرين في حيز الذاكرة المضيء.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"