فرصة لاستعراض مدى قانونية العقوبات الاقتصادية

21:53 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد *

في الدعوى التي أودعتها المفوضية الأوروبية لدى جهاز فض المنازعات في منظمة التجارة العالمية، ضد روسيا في 20 ديسمبر 2021، مطالبةً إياها بدفع تعويضات بقيمة 290 مليار يورو، نظير ما قالت إنه سياسة إحلال الواردات Import substitution التي اتبعتها روسيا وألحقت خسائر بالمصنعين الأوروبيين – برزت قضية العقوبات الاقتصادية كإحدى معوقات التجارة الدولية التي أنشئت منظمة التجارة العالمية، وقبلها «جات»، من أجل تذليلها عبر جولات تفاوض منتظمة.

هذه قضية جوهرية يتعمد الجهاز التنفيذي لمنظمة التجارة العالمية عدم مقاربتها لا من قريب ولا من بعيد، وذلك لأن جهاز تسيير المنظمة في جنيف، خاضع عملياً للقوى التي تستخدم العقوبات الاقتصادية كسلاح لتعزيز وضعها التنافسي التجاري الدولي. ولذلك سيكون مستغرباً ألا يجعل الجانب الروسي من هذه القضية، محوراً لمرافعته في الدعوى أمام جهاز فض المنازعات في المنظمة، عطفاً على أحد التعليقات المتهكمة التي أوردها بهذا الخصوص بعض أجهزة الميديا الروسية، عن حق، لكن بصورة تنقصها المهنية والجدية، بأن «الاتحاد الأوروبي هو من دفع روسيا إلى إنتاج ما حرمتها منه العقوبات الأوروبية، فضلاً عن الخطاب العدائي الذي دفع موسكو للبحث عن طرق للبقاء على قيد الحياة في الظروف الجديدة».

فحزم العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، تباعاً، ومن دون اكتراث لا للأمم المتحدة ولا لمنظمة التجارة العالمية وقواعدها، وعلى رأسها قاعدتها الأساسية التي لا تجيز للدولة العضو اتخاذ أي اجراء من شأنه الإضرار بشركائها التجاريين الدوليين، هي القضية الجوهرية الجديرة بالإثارة والطرح.

فلقد ازداد في السنوات القليلة الماضية، لجوء كبريات الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، لاستخدام العقوبات الاقتصادية كوسيلة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية. يحدث هذا للأسف الشديد توازياً مع تراجع دور وفاعلية المنظمة في إدارة وتسهيل انتظام التجارة الدولية، بما في ذلك سلبيتها في اتخاذ موقف واضح وصريح من هذه العقوبات الأحادية، وتعمد جهازها التنفيذي في جعلها مسألة فيها نظر من وجهة نظر القانون الدولي العام. لكن اتساع نطاقها، وانعكاساتها السلبية، دفع العديد من الدول الأعضاء للتشكيك في شرعيتها أمام المحاكم الدولية، بما في ذلك نظام تسوية وفض المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية.

وتتراوح هذه العقوبات أحادية الجانب بين تلك المفروضة تذرعاً بحقوق الإنسان (على غرار العقوبات الأمريكية المستندة إلى قانون Magnitsky، وتلك التي تُفرض بدواعي الهجمات الإلكترونية، والعقوبات التي تفرض على تجارة تكنولوجيا المعلومات وخدمات الاتصالات، مثل تلك التي تعرضت لها شركة هواوي الصينية.

وتستند الولايات المتحدة في فرضها للعقوبات الاقتصادية على ثغرة قانونية تم «دسها» (كقرش أبيض لليوم الأسود)، في الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة «جات» لعام 1947، والتي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حزمة اتفاقيات وقواعد منظمة التجارة العالمية، وهي المادة 21/ب/3 (Article XXI, b, iii). فهذه مادة مصاغة بطريقة مطاطية ومبهمة تقصداً؛ وتتعلق بحق الدول الأعضاء، في حالة استثنائية تتعلق بالأمن القومي، اللجوء للعقوبات لحماية أمنها القومي. وهو ما أثار في السنوات القليلة الماضية، غضب الدول الأعضاء في المنظمة، لاسيما الصين والاتحاد الأوروبي وكندا، التي تعرضت لمثل هذه العقوبات، ما دفعها لرفع دعاوى قضائية ضد الولايات المتحدة لدى جهار فض المنازعات في المنظمة. وقد توصلت غالبية أعضاء المنظمة إلى استنتاج مفاده أنه لا يمكن استخدام استثناء الأمن القومي لتبرير أنواع العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب، حتى لو تم تأسيس هذه العقوبات على أساس معالجة مخاوف أمن قومي، وذلك اعتباراً بأن نص المادة لا يوضح الحدود المعنية لبند الأمن القومي، ما يعزز الاتجاه العام للتشكيك في شرعية العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب، ويعيد طرح قضية العلاقة بين السيادة الوطنية والنظام التجاري متعدد الأطراف القائم على القواعد.

* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"