يوميات «كورونا» من جديد

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

كُتِبَت مئات، بل وربما آلاف المقالات والآراء وحتى الدراسات عن «كورونا» في العالم كلّه، وبكل اللغات، وتناولت هذه الكتابات ظواهر رافقت الوباء، وأصبحت جزءاً من سيرته اليومية إلى أن أصبحت أيضاً نوعاً من ثقافة تكاد تكون ثقافة عالمية، وذلك يعود إلى كون ظواهر «كورونا» هي ظواهر واحدة، ومتشابهة؛ التباعد هو التباعد في العالم كلّه، والحجر المنزلي واحد لكل بني البشر، والعزلة اسم آخر أصبح مشتركاً للبشرية كلّها.
خذ مثلاً، تفصيلة «التباعد» وتداعياتها النفسية والرمزية والوجودية، كأن يصبح الإنسان جزيرة نفسه ولن يحميه من الوباء إلّا جسده المعزول وتلك المسافة المادية ثم تلك المسافة النفسية بينه وبين الآخر، فحتى ابنه يصبح «آخر»، زوجته تصبح «آخر»، عائلته كلّها تصبح «آخرين». والآخر، كما يعرف القارئ أكثر مني، هو مفهوم أو مصطلح أو فكرة أو فلسفية أُشبعت كتابة وتحليلاً وتوصيفاً منذ ستينات القرن العشرين وحتى اليوم، وفي وباء «كورونا» أيضاً، لم يعدم هذا المفهوم الفلسفي معناه، حتى لو كان حقله وبائياً أو علمياً وليس فلسفياً بالمعنى الفكري الذي أشرنا إليه قبل قليل.
الكمامة، أيضاً، أصبحت في الكتابة خلال السنوات الثلاث الماضية حقلاً للدلالة، والترميز، والتفلسف، فقد أحيلت الكمامة إلى مفهوم القناع، وتخبئة الوجه أو نصف الوجه، كأن الإنسان أصبح غريباً عن أخيه الإنسان، فلا هو يعرف وجهه الكامل، ولا يستطيع أن يصافحه، أو يقترب منه.
ربط بعض كتّاب الظواهر الاجتماعية والثقافية والوجودية بين كمامة «كورونا»، وبين فكرة القناع: القناع بمعنى التخفّي، والخديعة، واللّاحقيقة. القناع الحاجب تماماً للوجه البشري، ويحجب بالتالي، حقيقة الإنسان الذي يحمل هذا الوجه، وإلى آخره من إحالات ومقاربات بين الكمامة القماشية أو الورقية أو الحريرية، وبين قناع اللص، أو قناع الطاغية، أو قناع الممثل في حالة إصابتك ب«كورونا»، مثلما أصبت بها الأربعاء الماضي، وتصدّيت لها بالكتابة كرمز على القوّة، تسقط عنك كل هذه الفلسفات، وسوف تتجاهل كل هذه الترميزات الثقافية، والفكرية، والوجودية. فقط، أنت الآن مصاب بالفيروس علمياً وتحليلياً ومختبرياً. وإذا استخدمت الكمامة وأنت مصاب ب«كورونا» فلأن وازعاً أخلاقياً يدفعك دفعاً إلى ذلك، لأنك لا تريد أن تؤذي ذلك البائع المسكين الذي يأتي إليك بالخبز والماء والخضار، وليس لأنك فيلسوف.
منذ أن أصبت بالفيروس صارت المسافة بيني وبين البائع أكثر من المعتاد على درج العمارة التي أقطنها، وليس لأن التباعد فكرة وجودية تتعلق بهذا «الآخر» الفلسفي في حقيقة «كورونا»، أو الأصح، في حقيقة الحمّى الليلية التي ترافقها إلى الجحيم بكل الفلسفة، والتفلسف والتأويل والترميز.
البارحة، كانت أقل دورات الحمّى ليلاً شراسة وعَرقاً. عندها أخذت حبّتي «بانادول»، هدأت، وتمددت، ونمت، ولم أكن قد أخذت سارتر، ولا نيتشه، ولا كيركيجارد، وهو اسم فيلسوف، وليس اسم دواء.
مع كل ذلك، كان الشعر إلى جانبي «انتصر عليه بالكتابة».
غداً أواصل…
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"