عادي

الأجناس الأدبية.. مواسم متغيرة

00:04 صباحا
قراءة 8 دقائق

** استطلاع – نجاة الفارس:

كيف نفسر تراجع القصة القصيرة في زمن القراءة السريعة؟ كان من المفترض في هذا العصر المتسارع أن تنتشر القصة، ولكن ما يحدث عكس ذلك تماماً، فقد أكد عدد من الكتّاب والنقاد، أن لتراجع القصة القصيرة في الآونة الأخيرة عدة أسباب بعضها يتعلق بالتأليف، وبعضها بالقارئ العربي واهتماماته وبعضها بالنقد والنشر، موضحين أن تراجع اهتمام المثقفين وحتى النقاد بالقصة القصيرة بذريعة أن العصر عصر الرواية، تراجع مبالغ فيه وغير مقبول؛ لأن الأساس هو القيمة الجمالية التي يحملها الفن الأدبي مهما كان جنسه. هناك تراجع في مستويات القراءة بشكل عام، وليس في القصة القصيرة فحسب، وهو ما يؤكده الكتّاب والمثقفون، وهذه هي حال العصر الذي يشهد سطوة الفيديو والصورة، فالقصة القصيرة لم تلفظ أنفاسها الأخيرة، كما يذكر البعض، ولكن دائماً هناك مواسم للأجناس الادبية.

أسباب عدة

يقول د. شعبان بدير ناقد وأكاديمي: شهدت القصة القصيرة عصرها الذهبي في ستينات وسبعينات القرن الماضي؛ وكانت بطلة الساحة الأدبية في تعبيرها عن الأحداث اليومية؛ لقدرتها على التقاط اللحظة وتسجيلها؛ وما تتميز به من تكثيف واختزال وتعدد مستويات الدلالة والتخييل والاستبطان، فبرز كتاب كبار لهذا الجنس الأدبي، إلا أن هذه الخصائص لم تشفع للقصة أن تصمد أمام المتغيرات المتسارعة على الساحة الأدبية، فشهدت تراجعاً شديداً، جعل البعض ينذر بموتها وتواريها، وإذا بحثنا في أسباب ذلك فسوف نجد أن لهذا التراجع أسبابه، ومستوياته، في صلته بالتأليف، والقارئ العربي واهتماماته والنقد والنشر.

الصورة
1

ويضيف: «إن أول أسباب التراجع يكمن في طبيعة كتابة القصة القصيرة، التي تحتاج كاتبا متمكنا من أدواته الفنية واللغوية، فيخلق منها عملاً مكثفاً مختصراً، يجذب القارئ ويحقق له المتعة والفائدة، ويقترب من النسق الشعري مما يجد فيه كثير من الكتّاب صعوبة وجهداً فنياً وإبداعياً يجعلهم يفرون إلى الرواية التي تمنحهم مساحات واسعة للقص والوصف والتعبير عن الذات والمجتمع، ويحظون بما يحظى به كتّاب الرواية من الجوائز كجائزة نوبل، وعلى المستوى المحلي توجه الجوائز والأمسيات والمؤتمرات للرواية في حين فقدت القصة القصيرة الاهتمام والنخب من المثقفين والقرّاء والنقاد.

ويوضح: من أسباب تراجع الاهتمام بقراءة القصة القصيرة سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي التي توثق الأحداث اليومية لحظة بلحظة معززة بالصور الواقعية، وهذا جعل القارىء ينصرف عن القراءة، وعن الكتاب، إلى قراءة الأخبار السريعة والأكثر تداولاً على مواقع التواصل.

ويشير د. شعبان إلى أن الرواية تربعت على عرش الأدب نثراً وشعراً ولبت نداء القارىء المتعطش من خلال أحداثها بعكس القصة القصيرة التي تحمل من الرمزية والغموض مما يتطلب من القارئ تركيزاً لفك ألغازها، فهو قارىء يحسن التعامل مع النص القصصي، وقد يكون ذلك سبباً فيما يشبه حالة العزوف والإهمال التي تعيشها القصة القصيرة من القارئ والناقد على حد سواء.تراجع عام

تقول القاصة والروائية مريم الغفلي: القصة القصيرة موهبة وقوة لغوية تغوص في أعماق الكلمات والمشاعر، لاختيار ما يناسب الومضة القصيرة الموجزة لمحتوى هذا الفن الذي هو فن السهل الممتنع، فهي تحتاج إلى مغامرة وتجريب وموهبة فذة، فمن ينسى رائد القصة القصيرة يوسف إدريس، وكيف كان يكثف المعاني ويوجزها، وكذلك تشيكوف وكافكا وكاترين مانسفيلد.

وتضيف: أؤمن أن كتابة قصة قصيرة ناجحة ذات محتوى متميز، فن أصعب من كتابة رواية طويلة، فكتابتها تحتاج إلى تقنية خاصة، وتحتاج إلى دفقة مكثفة في المشاعر التي تسحب القارئ نحو مضمون عميق، كما أنها تتطلب حرفية عالية، مثل الغوص العميق في الأحداث، فمن يستطيع كتابة قصة قصيرة مفعمة بكل المشاعر الإنسانية موجزة كومضة تلسع؛ هو شخص متميز كما كان هؤلاء.

وتؤكد الغفلي أن كتابة القصة القصيرة موهبة، وتحتاج إلى قوة في اللغة والتصوير وهذا كله يحتاج إلى مواهب فذة، كما أن الذوق القرائي تراجع بالمجمل، ولم تتراجع القصة القصيرة ولم تزاحمها الرواية ولا نستطيع القول إن هذا زمن الرواية، ولكن هو تراجع شمل كل الأجناس الأدبية، وحتى الرواية اليوم فهي لا تشبه تلك التي بدأت مع الكتّاب الكبار، فهو تراجع عام، ونحن في زمن التسطيح، واللهاث المتسارع، فالقراءة من الإنترنت والصحف مختلفة عن القراءة في أمهات الكتب واستخلاص رحيق ما كتب الكبار مثل: العقاد ونجيب محفوظ وديستوفسكي.

القيمة الجمالية

ويقول د. أحمد عقيلي ناقد وأكاديمي: إن من يتابع شأن القصة القصيرة وواقعها اليوم يلمس وبوضوح تراجعاً لهذا الجنس الأدبي من قبل الكتّاب والنقاد، ولعل من أسباب ذلك الانشغال الكبير بفن الرواية التي راحت تتمدد خصوصاً في الآونة الأخيرة؛ وذلك على حساب الأجناس الأخرى، وخصوصاً القصة القصيرة، لدرجة أن كثيراً من المثقفين يصرّحون أن هذا العصر هو عصر الرواية وليس غيرها، ويبرّرون ذلك لكون الرواية أكثر قدرة على إظهار أسلوب الكاتب وإمكاناته، وسعة ثقافته، وأنا أرى أن هذا الرأي منحازاً ويجانب الصواب، لأن لكل فن أدبي خصوصيّته وسماته وأدواته، فالقصة القصيرة لها مقوماتها ومعاييرها التي تختلف عن الرواية.

ويتحدث عقيلي عن أسباب تراجع الاهتمام بالقصة القصيرة، إلى قناعة بعض المثقفين بأن الرواية هي المرحلة الأكثر نضجاً للقصة، فهي تأتي بعد مرحلة سابقة من الإبداع القصصي، والدليل على ذلك أن كثيراً من الروائيين يصرحون أن بدايتهم الإبداعية كانت مع القصة، ومن ثم كانت النقلة النوعية ليصبحوا روائيين، ويقول: «هذا القول مبالغ فيه، لأن الإبداع الأدبي ليس سلّماً له درجات يتفوق فيه فن أدبي على آخر، فمن قال إن القصة القصيرة أقل أهمية وعمقاً وتأثيراً في المتلقي من الرواية؟! ثم أليس للقصة القصيرة قواعدها ومعاييرها اللغوية والفنية التي تجعلها قادرة على خلق فضاء إبداعي يترك انطباعاً عميقاً في نفس القارئ؟! ولعلي لا أبالغ إن قلت إن هذا الانطباع والتأثير موجود وقد يفوق تأثير كثير من الروايات في نفس القارئ والمتابع».

ويتابع عقيلي: «لا شك أن القصة القصيرة والرواية تندرجان ضمن إطار فني واحد أساسه تقنية مشتركة هي السرد والوصف، وبالتالي لا فضل لأحدهما على الآخر ولا تمييز، فكثير من الروائيين الكبار كتبوا القصة القصيرة والرواية بشكل متناوب؛ بل تنقلوا فيما بينهما، ومن ذلك تجرية نجيب محفوظ حائز نوبل للآداب.

ويوضح عقيلي أن تراجع اهتمام المثقفين والنقاد بالقصة القصيرة بذريعة أن العصر عصر الرواية، تراجع مبالغ فيه وغير مقبول؛ لأن الأساس هو القيمة الجمالية التي يحملها الفن الأدبي، وقدرته على الاستجابة لحاجات القارئ والمثقف، على اختلاف نوعه سواء كان قصة قصيرة، رواية، أو شعراً.

سطوة الصورة

بدوره، يؤكد القاص والروائي سعيد البادي أن هناك تراجعاً في القراءة بشكل عام، وليس في القصة القصيرة فحسب، خاصة في هذا العصر الذي يشهد سطوة الفيديو والصورة، وما فاقم الأمر انشغال الجمهور بمواقع التواصل، وما نشهده من ثورة معلوماتية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، ولكن حتى لا نكون متشائمين، فعلى الرغم من تراجع الكتاب الورقي بين مد وجزر، فإن ذلك لم يمنع القصة القصيرة من أن تجد طريقها إلى القرّاء عن طريق التقنيات العصرية، ومواقع التواصل الاجتماعي، سواء كانت بحبكة محكمة أو بسرد بسيط، غير أنها تصل وتجذب القارئ ويتم تداولها عبر وسائل التواصل وليس عبر الكتاب الورقي التقليدي.

ويتابع البادي: قد نرى اتجاهاً في كتابة الرواية أكثر من القصة القصيرة، فهي معضلة من عدة أطراف؛ لذلك ربما وجدت القصة القصيرة مكاناً للظهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث لا يحتاج القارىء إلى سرد طويل؛ لأن الأغلبية يقرأون من هواتفهم الذكية، وهو ما أسهم في جاذبية القصة القصيرة؛ حيث تكمن جاذبيتها في إثارة الأسئلة والشكوك والغموض، فالقصة القصيرة تثير الأسئلة أكثر مما تقدم إجابات، ولا تعطي كثيراً من التفاصيل عن شخصياتها وربما ذلك ما يجعلها مقبولة للقرّاء على مواقع التواصل، وأجزم بأن للقصة القصيرة حضورها بهذا الشكل تماماً مثل ما انتشرت سابقاً بين المسافرين في القطارات في ألمانيا وفرنسا امتدت إلى كافة أنحاء العالم.

التكنولوجيا

تقول القاصة أمل المهيري: النصوص الأدبية بمجملها تشهد تراجعاً؛ بسبب تقنيات العصر؛ خاصة في منطقتنا العربية فتراجعت القراءة على الرغم من المحاولات التي تبذلها عدة جهات لجعلها سلوكاً ثقافياً، لكن، لنكن واقعيين، تجد اليوم الشباب في هذا العصر قد غرقوا في مواقع التواصل الاجتماعي والتقنيات العصرية الحديثة، كما أن دخول التقنية إلى عوالم الإنسان الوجودية والإبداعية، جعل الأدب أكثر تحرراً من سلطة الشكل، وأضحت معه مواقع التواصل مساحات شاسعة للتعبير عن الرأي والأفكار، من دون أية قيود تحريرية قد تفرضها بعض المجلات والجرائد والمواقع الإلكترونية، أو حتى الكتاب الورقي بشكله التقليدي. وتضيف: «وهذا ساهم أيضاً في استسهال واستخفاف البعض، فلا تجد عندهم ما يقود إلى بلورة مفاهيم وطرح أسئلة قلقة وحقيقية عن جوهر الأدب العربي وعوالمه في عصر الطفرة التكنولوجية، فأصبح الكلّ يكتب، وينشر، وجميعهم قد يدعون أنهم كتاب لكن في الوقت ذاته، ربما أصبح أيضاً الكلّ يقرأ، والكلّ يمارس النقد، بعد أن كانت المنابر حكراً على الأسماء المكرّسة».

وتابعت: نعم تراجعت القصة القصيرة، وتراجعت الرواية أيضاً -إلى حد ما- لكن ظهرت أجناس أدبية غير مؤطرة في شكل أدبي، وتجد من يقرأها عبر مواقع التواصل، وتجد قصصا تنشر عبر «الواتس أب» وتغري القرّاء بها، وهو ما لم يكن متوفراً قبل فترة وجيزة؛ من عناء البحث عن القصة في المكتبات أو معارض الكتب، لكنها اليوم تصل إلى يدك عندما تفتح هاتفك، وربما يكمن في ذلك خطر على جودة النصوص، واللغة المستخدمة؛ وعلى الأسلوب، والطرح، وعناصر بناء القصة القصيرة.

مواسم

تقول القاصة والروائية فاطمة المزروعي: «فقدت القصة القصيرة بريقها منذ وقت ظهور الرواية، فلم تعد مرتبطة بزمن القراءة السريعة، كما تغيّرت ذائقة الأغلبية وبالأخص الشباب، ممن ذهبوا نحو نمط من القراءة السريعة لمقتطفات أو نصوص صغيرة، أو عبارات قصيرة بعضها إخباري والآخر قد يكون شعراً أو خاطرة، وهذا يجعل تلك القراءات عرضية وبسيطة وسريعة النسيان بالنسبة للقارئ، ولا تشكل منصة ثابتة يمكن الرجوع إليها بسبب التراكم الكبير، وكم التحديثات والمعلومات الهائلة التي تنشر يومياً».

وتضيف: «تغيرت كذلك نوعية القضايا المطروحة، وأصبح يتم تداولها عبر وسائل الإعلام، وأصبح المجتمع اليوم مشغولاً بالقضايا المطروحة التي تتطلب التفاعل والسرعة والتجاوب معها، كما أن أغلب الكتب الإلكترونية متوفرة اليوم في الكثير من المواقع، وبإمكان القارئ تحميلها وقراءتها في أي وقت».

لكن ما هو مهم - تتابع فاطمة المزروعي- أن الذائقة قد اتجهت إلى الرواية؛ وذلك من قبل الكتّاب والقرّاء على حد سواء، رافق ذلك نمط الحياة السريعة والرغبة في الشهرة، وسعي دور النشر إلى تفضيل الرواية وليس القصة القصيرة؛ وقد استطاعت الرواية أن تسطع وسط الأضواء بكثافة، سواء أكان عن طريق الجوائز كالبوكر وكتارا وجائزة الشيخ زايد، وكلها أعطت للرواية بُعداً آخر، وشجعت على الكتابة في هذا الجنس الأدبي.

وتتابع: القصة القصيرة لم تلفظ أنفاسها الأخيرة كما يذكر البعض، ولكن أؤمن دائماً أن هناك مواسم للأجناس الأدبية؛ ففي فترة كانت القصة القصيرة تتصدر المشهد الثقافي؛ ثم جاءت الرواية فاكتسحت المكان.. وهكذا؛ وفي هذا الزمن السريع، ربما نتوقع عودة القصة القصيرة، فالقرّاء بحاجة إلى بعض القصص السريعة، والمشاهد العابرة التي يمكن أن تترك أثراً إيجابياً كبيراً في ظل الظروف الراهنة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"