شاعرات من أفغانستان

00:12 صباحا
قراءة دقيقتين

غرقت، بل، سبحت، في الأسبوع الماضي كلّه، في بحر من الشعر الأفغاني الحديث عبر «انطولوجيا الشعر الأفغاني الحديث»، ترجمة: مريم العطّار، الطبعة الأولى، 2021، دار المدى. وإذا أردت أن تنتصر على محنة أو أزمة أحاطت بك، فاذهب إلى الشعر الفطري الذي تتعرّف إليه للمرة الأولى في قراءاتك. اذهب إلى البسيط، والإنساني، والحياتي في الشعر، تجد هناك شيئاً من ذاتك، وشيئاً من طفولة اللغة والفكر.
هذه هي المرة الاولى التي أقرأ فيها قصائد ل 35 شاعرة وشاعراً من أفغانستان غالبيتهم أو أكثرهم من مواليد أوائل ثمانينات القرن العشرين، ومن بين ال 35 هؤلاء، ستقرأ لعشرين شاعرة شابة الكثير منهن انتقلن مع أهلهنّ إلى إيران، وحصلن على دراسات جامعية، ثم غادرن إيران إلى أوروبا: هولندا، فرنسا، والبعض هاجرن منفردات، أو مع عائلاتهن إلى روسيا، وأستراليا.
بالنسبة إليّ الآن في هذه القراءة الناعمة أو في هذه القوّة الأفغانية الناعمة هو هذا اللطيف النسائي الشعري في بلد ارتبط اسمه في بعض الفترات بالحرب والعنف والتخلّف ووضع المرأة وراء ستائر من الحديد والخشب، بحيث لا تستطيع التنفس، ولا رؤية الشمس. غير أن من يقرأ هذا الكتاب المنقول إلى العربية بلغة شفافة وترجمة أنيقة تحمل روح الشعر الأصلي ببراءته وجرأته وبياضه، يدرك من فوره أن المرأة الأفغانية إذا كانت لا ترى الشمس، فهي كانت تربّي الضوء مع عزلتها ومع وحدتها القسرية، وتصنع، على مهلٍ، من هذا الضوء جدائل ناعمة من الشعر.
يخطئ من يعتقد أن المرأة الأفغانية جاهلة، وليست متعلّمة ولم تحظ بالثقافة أو بالثقافات العالمية. ومن يقرأ هذه الأنطولوجيا من بوّابة النساء الشاعرات فقط، يعرف أن الشعر هو دائماً وأبداً مرآة وحقيقة. مرآة المرأة وحقيقتها، وحقيقة أعماقها المخبّأة في الكهوف، ولكن في لحظة كتابة الشعر ينبثق ضوء نسائي أفغاني لشاعرات شابات يعرفن الحياة، ويعرفن الشعر أكثر من عشر مرّات من نساء الحداثة المكشوفة، وما بعد الحداثة العارية. شاعرات خفيفات مثل الظلال. شابّات وجامعيات، والبعض منهن إلى جانب الشعر يعزفن الموسيقى، ويرسمن اللوحات.
لفت نظري بساطة وعمق هذا الشعر النسوي الأفغاني الشاب في الوقت نفسه، ومن المعروف عند الشعراء، وعند قرّاء الشعر المحترفين أن الجمع بين البساطة والعمق ليس الأمر الهيّن في الكتابة.
من بساطة وعمق شاعرات أفغانستان هذه المقاطع الصغيرة السريعة: تقول مارال طاهري (مواليد 1983): «فقط، عباءة سوداء تستطيع أن تجعل مني أفغانية صالحة». ريحانة آخوندة زاده (مواليد 1984) تقول: «ما الفرق بين الحرب والسلام؟ خَبِّئوا دماءكم في الأقمشة، كي تبقى الأرض نظيفة». سلمى شريف (مواليد 1984) تقول «ألف مرّة ركضتُ من قلبك إلى لسانك، لكنني لا أصبح صوتاً»، وتقول سلمى أيضاً «امرأة بجدائل، مبتورة تحيكُ لكل عشاق العالم شالاً أسود».
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"