خواطر في «فوبيا» التطوير

00:25 صباحا
قراءة دقيقتين

ما هي حقيقة المخاوف على العربية من التطوير؟ اللغويون لا يقولون شيئاً يريح الخاطر، فيزيح المخاطر. على من يريد سبر أغوار هذه القضيّة، أن ينقل التفكير إلى الدفع الرباعي. الأعراض تشبه الرهاب، «الفوبيا»، التخوف المرضي. حيثما طُرح التطوير كحل جذريّ لجمود الأوضاع في مجال ما، ظهرت المحاذير، وكثرت المحظورات، وعلت الأصوات المندّدة بالتحديث والتجديد، وكأن التطوير عدوان على أسس البنيان، وهدم للدعائم. ما يفرقع القهقهات هو أن يعبّر هؤلاء عن الخشية من المزالق، بتغريدات تويترية أو صيحات فيسبوكية، وكأن وسائط التواصل جذورها ضاربة في القرون الخالية.
العقبة المخيفة حقاً دون الإقدام على التطوير، هي بلا شك في عدم الإحساس بضرورة التطوير. ما لم تتحقق هذه النقلة النوعيّة فإن المحاولات، وإن كانت إيجابية مطلوبة، لكنها ستظل نفخاً في قربة مقطوعة. 
علماء العربية، ما شاء الله، يُعدّون بالآلاف، غير أنهم لم يقولوا لنا كيف بلغ عدد مجامع اللغة ثلاثة عشر مجمعاً، وكيف استدعى هذا العدد إنشاء اتحاد مجامع، ولولا الوقفة التاريخيّة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لظل المعجم التاريخيّ للغة العربية زهرة في خيال «الضاد»، تنظر إليها بعين بصيرة، ويد قاصرة قصيرة.
«فوبيا» تبسيط القواعد قد تبقى جاثمة على صدر الفعل المسؤول إزاء الأجيال، ربما جيلاً، إلى أن تتحرك الإرادة الجريئة. قد تكون المقارنة هنا ملهمة، فالجاحظ عاش قبل المفكر الاقتصادي البريطاني آدم سميث بتسعة قرون تقريباً، أديبنا أوصى قبل قرابة اثني عشر قرناً بعدم تعليم الصغار من النحو إلاّ ما يفيدهم في حياتهم اليومية. لم يستمع له أحد. بعده بأكثر من ثلاثة قرون صاح ابن مضاء وابن رشد داعيين إلى تبسيط القواعد، ولم يكترث لهما أحد، وفي القرن العشرين دعاة التطوير والتبسيط كثر، ولكن كلامهم سمعته الرياح. في المقابل قال آدم سميث، على هامش تخصصه في الاقتصاد: يجب أن تعامل قواعد اللغة معاملة البضاعة: «تكون عملية، سهلة الاستعمال، خفيفة». عمل أهل الإنجليزية بتوصيته بسلاسة ومرونة. ليت العرب يقتدون به إذا لم يرقهم الاقتداء بالجاحظ وابن مضاء وابن رشد.
لزوم ما يلزم: النتيجة العجبيّة: الإنجليزية التي تسود العالم، ليس لها في بريطانيا مجمع لغوي، لكن معاجمها يجري تحديثها كل عام بدقة ساعة «بيج بن».
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"