شباب العالم في شرم الشيخ

00:36 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناصر زيدان

اجتماع شباب من 190 دولة في شرم الشيخ من جديد يبعث بعض الأمل في العودة إلى مسارات الحياة الطبيعية المتجددة والخلاّقة، بعد أن توقف نشاط المنتدى العالمي في العام الماضي جراء تفشي جائحة كورونا. وقد جهدت مصر على إنجاح فعاليات المنتدى الرابع بوضع إمكانيات كبيرة لهذه الغاية، ومن خلال الإشراف المباشر للرئيس عبد الفتاح السيسي على فعالياته، وقد رسمت عروض حفل الافتتاح الذي جرى الاثنين الماضي صورة خلاقة عن التنوع الثقافي والفني والإبداعي الذي يزخر به جيل الشباب من مختلف قارات العالم. وساهمت هذه الصورة الراقية في طيّ مشهدية التشاؤم التي غلبت على بعض نواحي الحياة جراء تفشي الجائحة الخبيثة.
 «على الخير اجتمعنا... وباسم الله نبدأ... ومن أجل المستقبل نعمل». بهذه الكلمات اختار الرئيس السيسي أن يبدأ خطابه في حفل الافتتاح، وهو ما كان كافياً للإشارة إلى الضرورات التي تُحتم التعاون البناء بين شباب الأرض قاطبة للبحث عن مستقبل آمن للأجيال تحت سقف القانون، وعلى مبادئ التعاون والاحترام، وفي ظل قيمٍ إنسانية سمحاء تعطي الصدارة للسمات الآدمية كشريعة أساس تتغلَّب على ما عداها من سمات الجنوح والتهوُّر والفوضى.
 يمكن اعتبار المبادرة المصرية في تنظيم المنتدى الشبابي في حلقته الرابعة إحدى النقاط الاعتراضية البيضاء على حالة الركود السوداء السائدة على المستويات الإنتاجية والإبداعية والثقافية، وهذه الوضعية أصابت شريحة واسعة من الشباب باليأس من غموض المستقبل، وهذا الغموض خلق لديهم شيئاً من القنوط والخوف، وتراجعت معهما الحماسة نحو تحقيق الأفضل في الابتكارات وفي الإنتاج.
 يعيش عالم اليوم حالة من الاضطراب، وهو يفتقد في بعض النواحي للأفكار الخلاقة التي تجمع المشتركات القيِّمة. ورغم تطور وسائل التواصل الحديثة؛ إلا أن ذلك لم يُحدث فرقاً وازناً على مستوى التعاون بين الشرائح المختلفة من مكونات المجتمعات البشرية، ولا هو زاد من منسوب توحيد الرؤى بين الشباب في مختلف أنحاء العالم.
 مما لا شك فيه أن تلاقي ممثلين عن شباب 190 دولة يعطي انطباعاً إيجابياً عن أهمية تبادل الأفكار، ويساهم في وضع أسس ثابتة لتحديات مشتركة قد تواجهها البشرية جمعاء، وفي المقدمة منها موضوع الأمن الوبائي بعد التجربة القاتمة التي سببتها جائحة كورونا، وكذلك الأمر فيما يتعلق بصناعة فن وثقافة يحترمان القيم الإنسانية ويراعيان استدامة الاستقرار، ويحافظان على صحة نفسية سليمة لدى الشباب، كما أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس في كلمته الافتراضية في افتتاح المنتدى في شرم الشيخ.
 ودعوة مصر لرئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس جيريسيوس ولرئيس البنك الدولي ديفيد مالباس للتحدث أمام المؤتمرين الشباب جاءت من خلفية تصويب النقاش حول التحديات الأساسية التي يواجهها مستقبل الشباب، ذلك أن جائحة كورونا حملت دروساً لا بد من أخذها بعين الاعتبار، لأنها خلطت الأوراق بشكلٍ مفاجئ على المستوى الدولي، وأربكت العالم أجمع، وما زالت تداعياتها قائمة منذ أكثر من عامين على التوالي. 
 أما دعوة مالباس فكانت بهدف الإضاءة على كيفية الخروج من الضائقة التي يواجهها الشباب في مجال فقدان فرص العمل، وكيف يمكن أن يتلافى العالم حالة الركود التي تقُض مضاجع النمو الاقتصادي.
 من نافل القول أن المبادرة الشبابية المصرية حملت رسائل في اتجاهات متعددة، وحرَّكت المياه في مستنقعات راكدة، رغم الصعوبات التي تفرضها الوقاية من تفشي الجائحة الخبيثة. ولعلَّ عملية اختيار دعوة الضيوف إلى حفل الافتتاح؛ كانت خطوة استكمالية لإصابة هدفين بحجرٍ واحد، وكان واضحاً الاهتمام المصري في تسليط الضوء على ملفات تقع في دائرة الاهتمام البالغ، ومنها ملف الأمن المائي، ومستقبل قطاع الطاقة، والأزمات الإقليمية المتفاقمة، خصوصاً منها القضية الفلسطينية، والمُعضلة اللبنانية.
ومما لا شك فيه أن لمكان انعقاد الملتقى العالمي في شرم الشيخ تأثيراً واضحاً على نجاحه، وقد أكد الحضور الواسع للشباب من مختلف أنحاء العالم أهمية مصر ودورها، والمكانة الوسطية المتقدمة التي تحظى بها المنطقة العربية، والتي لا تضمر أي عداء أو ضغينة تجاه أيٍ من الشعوب.

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدولي العام.. أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.. له 10 مؤلفات وعشرات الأبحاث والمقالات والدراسات في الشؤون الدولية..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"