الاقتصاد من الماضي إلى الحاضر

00:24 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. علي محمد فخرو

في عالم أصبحت فيه السياسة تابعة للاقتصاد، وأصبح الإعلام أحد أهم وسائل مراقبة وتقييم النظامين، رهينة في يد القوى المالية الكبرى، لا يمكن الادعاء بشمولية أية إيديولوجية لا تعطي اهتماماً كبيراً بالجانب الاقتصادي، كمكوّن شديد الوضوح ورئيسي من مكوّنات تلك الإيديولوجية.
 لقد اعتبرنا، في مقال سابق، أن المشروع النهضوي العربي، بمكوّناته الستة، الوحدة العربية والديمقراطية والتنمية المستقلة والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري والعدالة الاجتماعية، أنه كان مشروعاً أريد به تطوير وتجديد للإيديولوجية القومية العروبية، بكل أنواع ظلالها وأحزابها، وأنه بالتالي عبارة عن مشروع متكامل لإيديولوجية قومية عروبية متجددة، أخذت في الاعتبار دروس الماضي، ومطالب الحاضر، وتطلعات المستقبل.
 لكن اللافت أن المشروع تعامل مع الموضوع الاقتصادي، بالطبع بموضوعية وتفاصيل وحرفية رائعة، من خلال مكوّنَي التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية. لكنه تجنب تسمية النظام الاقتصادي الذي تدعو إليه تلك الإيديولوجية، وهو أمر يدعو إلى الكثير من التساؤلات.
 ذلك أن الإيديولوجية العربية القومية قامت في بداياتها، في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، على شعارات الحرية والوحدة العربية والاشتراكية، بل إن الميثاق القومي الناصري اعتبر الاشتراكية مدخلاً لتحقق الوحدة والحرية، وأولاها الأولوية في القيمة والأهمية. ومن أجل التأكيد على أن الاشتراكية التي ترفع شعارها كل القوى القومية ليست مماثلة، وليست تقليداً للاشتراكية الماركسية الأممية، سمّاها البعض «اشتراكية عربية»، كتأكيد على خصوصية تعاملها مع الواقع المجتمعي العربي. وقد عبّر عن ذلك مؤسس حزب البعث العربي، ميشيل عفلق، بقوله إن الاشتراكية العربية «هي للشعب كله، اشتراكية مستقلة لا تتبع مذهباً معيناً... وإنما تتلاءم مع روح الأمة ومع ظروفها وحاجاتها»، أي إخضاع الاشتراكية للعروبة.
 فإذا كان الجانب الاقتصادي أُعطي تلك الأهمية في تلك الأزمنة التي كانت الرأسمالية الكينزية الليبرالية، المتوازنة إلى حد ما، هي السائدة، فإن أهمية ذلك الجانب في أزمنتنا قد أصبحت مضاعفة، بعد أن أثبتت العقود الماضية بطلان العديد من الادعاءات الرأسمالية الكينزية الكلاسيكية طيلة القرن الماضي، وأظهرت عبر الأربعين سنة الماضية أمراض وجرائم وشطط وتوحش الرأسمالية النيوليبرالية العولمية التي يكتوي كل العالم بأزماتها المالية المتكررة، وبتدميرها لدولة الرفاهية الاجتماعية، وبازدياد أغنيائها غنى، وفقرائها فقراً، وبتكدس نصف ثروات العالم في أيادي واحد في المئة من سكانه، وبتهميش النقابات العمالية، وبتهديدها أُسس الديمقراطية السياسية وحرية الإعلام. 
 وقد وصل الحال، كما وصفته جلسة نقاش سنة 2008 في جامعة هارفارد عن مستقبل رأسمالية السوق، إلى حالة «من الخوف وعدم الأمان وعدم المساواة... حيث المديرون التنفيذيون يتقاضون مداخيل تبلغ 350 مرة أجور العمال الأقل دخلاً».
 الآن، بدأ الكتّاب في داخل قلاع الرأسمالية يذكّرون العالم الرأسمالي بأن كينز، واضع أسس الرأسمالية الكينزية الكلاسيكية، كان أيضاً من ناقدي النظام الرأسمالي، والمحذرين من بعض نتائج تطبيقاته. لقد حذر من تأثيرات الرأسمالية على المدى الطويل في قيمة العدالة وطبيعة المجتمعات وأسس الأخلاق، بل ورأى في موضوعَي الفائدة والريع عوائق أمام تحقق بناء مجتمع عادل ومنتج غير مضارب.
 لكن الديمقراطية المشوهة، والإعلام السجين في الدول الرأسمالية قد نسيا كل ذلك النقد والتحذير.
 أمام تلك التغيرات الاقتصادية الهائلة في العالم كله ستحتاج الإيديولوجية القومية العروبية المتجددة أن تختار نوع النظام الاقتصادي الصالح لهذه الأمة، وهذه المجتمعات العربية.
 هناك مقترحات، وهناك تجارب في العالم تستحق أن ندرسها، ثم نقرر ما يصلح لنا، لنضيفه إلى إيديولوجيتنا القومية العربية، من دون غمغمة، ومن دون تجزئة.
[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"