عادي

صواريخ بيونج يانج.. «توقيت» يقلق واشنطن

23:36 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب- المحرر السياسي:
يحلو للكثير من المراقبين الربط بين تجارب كوريا الشمالية الصاروخية وسخونة المواجهة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وخصومها المفترضين سواء كانت الصين، أو روسيان أو كليهما معاً.

مثل هذا الربط له مبرراته المنطقية التي ترتكز على مواقيت تلك التجارب، حيث لم ينس العالم تجارب بيونج يانج قبل الأخيرة التي تزامنت مع توتر الأوضاع في بحر الصين الجنوبي وتايوان، في ظل سياسات ترامب التصعيدية ضد بكين. وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى إعلان طهران، قبل أيام، أن معاهدة التعاون الاستراتيجي مع بكين قد دخلت حيز التنفيذ الفعلي، يوم الجمعة الماضي، ما يوحي بأن هناك خيطاً رفيعاً يربط بين أعداء واشنطن المفترضين، أو من تسميهم «بالدول المارقة».

وقد تميزت تجربة إطلاق الصواريخ الأخيرة بتكرارها بفاصل يومين أو ثلاثة بين كل عملية إطلاق، وتنوع منصات الإطلاق غير الثابتة حتى شملت قطاراً يسير على سكته. وفي بيان نقلته وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية لكوريا الشمالية، دافع متحدث باسم وزارة الخارجية عن تجربة إطلاق صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت باعتبارها تدريبات في إطار تعزيز وسائل الدفاع عن النفس.

وقد انتقدت كوريا الشمالية، يوم الجمعة الماضي، إدارة بايدن لفرضها عقوبات جديدة على البلاد بسبب تجاربها الصاروخية الأخيرة، وحذرت من اتخاذ إجراءات أقوى وأكثر وضوحاً إذا حافظت واشنطن على «سياسة التصعيد». وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إن العقوبات الجديدة تؤكد نية الولايات المتحدة العدائية الهادفة إلى «عزل» كوريا الشمالية، وخنقها، على الرغم من دعوات واشنطن المتكررة لكوريا الشمالية لاستئناف الجهود الدبلوماسية التي تعثرت بسبب الخلافات حول تخفيف العقوبات وخطوات نزع السلاح النووي.

عقوبات أمريكية

وفي إطار التصعيد الأمريكي والرد على تجربة بيونج يانج، فرضت إدارة بايدن، يوم الأربعاء الماضي، عقوبات على خمسة كوريين شماليين بسبب دورهم في الحصول على المعدات والتكنولوجيا لبرامج كوريا الصاروخية. وقالت إنها سوف تسعى لفرض عقوبات جديدة عن طريق الأمم المتحدة. وجاء قرار الإدارة بعد ساعات فقط من إعلان كوريا الشمالية أن الزعيم كيم جونج أون، أشرف على تجربة ناجحة لصاروخ تفوق سرعته سرعة الصوت، وقال إنه سيزيد بشكل كبير من «قدرات الردع النووي» لبلاده. واتهم المتحدث باسم كوريا الشمالية الولايات المتحدة بالتمسك بسياسات «العصابات»، قائلاً إن تطوير كوريا الشمالية للصاروخ الجديد هو جزء من جهودها لتحديث جيشها، ولا يستهدف أي دولة بعينها، ولا يهدد أمن جيرانها.

تطوير برامج الصواريخ

وتستمر كوريا الشمالية في تطوير برامج الصواريخ الباليستية التي تعتبرها واشنطن تهديداً لأمن حلفائها في المنطقة، وخروجاً على قرارات الأمم المتحدة. وهذه هي ثاني تجربة لكوريا الشمالية لصاروخها الذي تفوق سرعته سرعة الصوت، في غضون أسبوع. وقد كثفت بيونج يانج في الأشهر الأخيرة تجاربها على صواريخ جديدة ذات قدرات نووية مصممة للتصدي لأنظمة الصواريخ في المنطقة، والتغلب عليها، حيث تواصل توسيع قدراتها العسكرية وسط تجميد الحراك الدبلوماسي مع الولايات المتحدة. ويقول الخبراء العسكريون إن سرعات الصواريخ التي تزيد على 5 ماخ، أو خمسة أضعاف سرعة الصوت، تشكل تحدياً حاسماً لأنظمة الدفاع الصاروخي بسبب سرعتها وقدرتها على المناورة.

وتندرج هذه الصواريخ على قائمة رغبات تطوير المعدات العسكرية التي كشف عنها كيم، مطلع العام الماضي، إلى جانب صواريخ متعددة الرؤوس، وأقمار تجسس وصواريخ طويلة المدى تعمل بالوقود الصلب، وصواريخ نووية تُطلق من الغواصات.

وقالت إدارة بايدن التي عكست سياساتها تحولاً أوسع في تركيز الولايات المتحدة من مكافحة الإرهاب وما يسمى بالدول المارقة، مثل كوريا الشمالية وإيران، إلى مواجهة الصين، إنها مستعدة لاستئناف المحادثات مع كوريا الشمالية في أي وقت من دون شروط مسبقة.

شروط كوريا الشمالية

لكن كوريا الشمالية رفضت حتى الآن فكرة المحادثات المفتوحة، قائلة إن على الولايات المتحدة أولاً التخلي عن «سياستها العدائية»، وهو مصطلح تستخدمه بيونج يانج أساساً لوصف العقوبات والتدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

ووصف وزير الخارجية، أنتوني بلينكين، أحدث اختبارات كوريا الشمالية بأنها «مزعزعة للاستقرار بشدة»، وقال إن الولايات المتحدة تعمل على دراسة رد مناسب عن طريق الأمم المتحدة بالتعاون مع الشركاء الرئيسيين، بما في ذلك حليفاها في الجوار الكوري، كوريا الجنوبية واليابان.

وأضاف: «أعتقد أن بعضاً من هذه التحركات الكورية يعكس محاولة كوريا الشمالية لجذب الانتباه. لقد فعلت ذلك في الماضي. ومن المحتمل أن تستمر في القيام بذلك مستقبلا».

وقالت وزارة الخارجية إن الممثل الخاص للرئيس بايدن المكلف بشؤون كوريا الشمالية، سونج كيم، أجرى مكالمات منفصلة مع المبعوثين النوويين لكوريا الجنوبية واليابان لمناقشة التعاون الثلاثي بعد عمليات الإطلاق الأخيرة لكوريا الشمالية، وأكدت التزام واشنطن «الصارم» بالدفاع عن حلفائها.

وكانت حملة دبلوماسية بقيادة الولايات المتحدة تهدف إلى إقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامج أسلحتها النووية في عام 2019، فشلت بعد أن رفضت إدارة ترامب مطالب كوريا الشمالية بتخفيف العقوبات الكبرى مقابل تنازل جزئي عن قدراتها النووية.

ومنذ ذلك الحين، تعهد كيم جونج أون، بمزيد من التوسع في ترسانته النووية التي يرى بوضوح أنها أقوى ضمان للبقاء على قيد الحياة، على الرغم من معاناة اقتصاد البلاد من انتكاسات كبيرة، وسط إغلاق الحدود بسبب الوباء والعقوبات المستمرة التي تقودها الولايات المتحدة.

المهم في التجربة الأخيرة توقيتها، حيث تزامنت مع فشل الحوار الروسي الغربي حول أوكرانيا والضمانات التي تطالب بها روسيا بوقف توسع «الناتو» شرقاً، الأمر الذي ينذر بتصعيد جديد، خاصة أن الروس طلبوا رداً نهائياً حول مطالبهم خلال أسبوع فقط.

وإذا لم تنجح الدبلوماسية في كبح التوترات الطارئة في أوروبا التي زادت من حدة لهجتها في المواجهة مع موسكو، فقد تتبدل خرائط القوى وخطوط المواجهة العالمية، بحيث تصبح بيونج يانج وصواريخها محور سياسة المواجهة مع الأمريكيين الذين تتعدد الجبهات التي يضطرون للاستعداد لها يوماً بعد يوماً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"