عادي

لماذا المغرب أرض أساطير الرياضة؟

أسأل الخليج
13:31 مساء
قراءة 7 دقائق
إعداد: معن خليل
عرف المغرب العديد من الأبطال في عالم الرياضة، وهم بالمناسبة كثر برزوا في العديد من الألعاب، واللافت أنه كان من بينهم أجانب، لكنهم دائماً لم ينسوا وحتى بعد أن أصبحوا أساطير فضل البلد العربي الواقع في شمال إفريقيا عليهم.
هناك الكثير من الأساطير الذين عرفتهم المغرب ما بين أعوام 1930 و1960 ولم تتم الإضاءة عليهم كفاية بعدما تألقوا خارجها، مثل العربي بن مبارك الذي عُرف في أوروبا بلقب «الجوهرة السمراء» قبل أسطورة كرة القدم البرازيلية بيليه، وبطل ألعاب القوى الراضي عبد السلام الذي حل وصيفاً للإثيوبي حافي القدمين بيكيلا في أولمبياد روما عام 1960، والملاكم الفرنسي الشهير مارسيل سيردان، وأعظم لاعب كرة عرفته فرنسا جوست فونتين؛ حيث عاش الأسطورتان طفولتهما في المغرب.
وهناك أيضاً العديد من الأبطال الآخرين؛ مثل: عبد الرحمن بلمحجوب الذي سبق له اللعب لمنتخبي فرنسا في مونديال عام 1954، والمغرب في تصفيات كأسي العالم 1958 و1962، ومحمد الكورش بطل الدراجات الأشهر في بلاده.
وقد لا يعرف الكثيرون أن أشهر مدرب أرجنتيني هيلينيو هيريرا بدأ مسيرته كلاعب كرة قدم في الدار البيضاء مع فريق راسينج كازبلانكا؛ حيث كان يعيش مع عائلته في المغرب، قبل أن يصبح أشهر مدرب تكتيكي دفاعي في العالم بعدما قاد إنتر ميلان الإيطالي الذي عرف في عهده بلقب «الإنتر العظيم».
العربي
مما لا شك فيه أن العربي بن مبارك الذي ولد في عام 1914 لا يعد نجماً مغربياً وعربياً وحسب؛ بل أحد أساطير كرة القدم العالمية، ويكفي أنه قاد فريق أتلتيكو مدريد للفوز بلقب الدوري الإسباني للمرة الأولى في تاريخه عام 1950.
ولد العربي في الدار البيضاء، وينتمي لعائلة فقيرة وأب يعمل في النجارة، التي أمتهنها هو نفسه في فترة شبابه، وفي نفس الوقت كان يمارس كرة القدم التي برع فيها، وأصبحت موهبته الفذة على كل لسان، ولعب أولاً في عام 1934 لفريق الإديال الناشط في الدرجة الثانية، وكان لافتاً أنه كان يرفض انتعال الحذاء، لأنه اعتاد على اللعب حافي القدمين، وقد قاد فريقه إلى نهائي كأس المغرب عام 1935 لكنه خسر أمام فريق الراسينج.
أدت أهداف العربي الغزيرة إلى انتقاله لأشهر نادٍ في المغرب في ذلك الزمن «الاتحاد المغربي»، ثم انضم إلى المنتخب المغربي الذي صادف أن خاض مباراة أمام منتخب فرنسا الرديف، وخسر 2-4 ولكن العربي هو من نال جائزة أفضل لاعب في اللقاء، ليبدأ اهتمام الأندية الفرنسية به،وقد تعاقد معه فريق مرسيليا الشهير بمبلغ 44 ألف فرنك فرنسي، وهو أعلى انتقال للاعب مغربي في ذلك الوقت، كما كان أول لاعب عربي يلعب في أوروبا وعمره لا يتجاوز 21 عاماً.
بطل قومي
أبهر العربي بن مبارك الفرنسيين بسرعة، وقد سجل لفريقه الفرنسي 8 أهداف في لقاء ودي جمع مرسيليا مع فريق شوتهيند الإنجليزي، كما سجل 12 هدفاً في أول موسم له بالدوري الفرنسي، ليتم استدعاؤه للعب للمنتخب الفرنسي؛ حيث كانت تسمح اللوائح بذلك، ولعب في عام 1938 أول مواجهة ضد إيطاليا في نابولي، وقد واجه عنصرية بغيضة من قبل الجمهور الإيطالي المتعصب، كونه صاحب بشرة سمراء، لكن ذلك لم يمنع اللاعب المغربي من التألق، وليصبح بطلاً قومياً في فرنسا منذ مباراته الأولى مع «الديوك».
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقل العربي بن مبارك إلى نادي استاد باريس المغمور والذي كان أغنى الأندية الفرنسية آنذاك وعمل رئيسه على استقطاب العديد من النجوم وبينهم النجم المغربي مقابل مليون فرنك فرنسي، والمفارقة أن الأرجنتيني هيلينيو هيريرا هو من قاد الفريق في ذلك الوقت.
وبات العربي بن مبارك معشوق جماهير استاد باريس بالنظر إلى مهاراته وطريقته الأنيقة في التحكم بالكرة والمراوغة والتسديد القوي، وفي موسم 1945-1956 ساهم العربي في صعود ناديه الباريسي إلى قسم الصفوة ليحتل بعدها المرتبة الخامسة في أول موسم مع الكبار وقاده للتألق بعد أن كان نادياً مغموراً.
وانتقل العربي بعد ذلك إلى الدوري الإسباني، وتحديداً إلى نادي العاصمة أتلتيكو مدريد، مقابل 17 مليون فرنك فرنسي، في صفقة أثارت الفرنسيين أنفسهم، وكتبت إحدى الصحف الباريسية «فلتبيعوا قوس النصر أو برج ايفيل، لكن لا تبيعوا العربي بن مبارك».
ولعب العربي مرة أخرى تحت قيادة المدرب الأرجنتيني هيريرا، وأحدث الاثنان ثورة في النادي المدريدي موسم 1948-1949، وقاداه في الموسم التالي إلى لقب «الليجا» لأول مرة في تاريخه، ثم إلى الاحتفاظ باللقب في موسم 1950-1951، ليصبح أول لاعب عربي ينال لقباً في إسبانيا، وهو اعتبر مع السويدي الشهير كارلسون أفضل ثنائي هجومي في تاريخ النادي العريق.
وقد لعب العربي مع أتلتيكو مدريد 114 مباراة، وسجل 58 هدفاً، وعاد بعد ذلك إلى مرسيليا الفرنسي، وهناك قرر الاعتزال بعد 17 سنة قضاها نجماً كبيراً في ملاعب أوروبا، وذهب الكثير من النقاد إلى اعتباره أفضل لاعب كرة في النصف الأول من القرن العشرين، كما أن مواقع الاتحاد الفرنسي لكرة القدم في مقالات لها تعتبره أنه رابع أفضل لاعب أرتدى قميص المنتخب بعد بلاتيني وكوبالا وزيدان.
ويكفي العربي بن مبارك فخراً أن الأسطورة البرازيلية بيليه، قال عنه يوماً: «لست أنا الجوهرة السوداء؛ بل العربي بن مبارك لاعب أتلتيكو، فهو من سبقني إلى ذلك اللقب».
هيريرا وفونتين
ثاني مشاهير كرة القدم الذي بدأ مشواره في المغرب هو الأرجنتيني هيلينيو هيرايرا، والذي عاش في الدار البيضاء طفلاً مع عائلته، وقد تعلم اللعبة في البلد العربي، واحترف هناك مع ناديي الصخور السوداء وراسينج كازبلانكا، وقد كان فخوراً جداً بالعودة إلى المغرب عام 1950؛ حيث خاض مباراة ودية حين كان يقود نادي أتلتيكو مدريد بمواجهة منتخب «أسود الأطلس».
أما جوست فونتين، أكبر هداف فرنسي في تاريخ كأس العالم عندما توج هدافاً لمونديال 1958 برصيد 13 هدفاً، فقد ولد عام 1933 في مراكش، وبدأ مسيرته في كرة القدم في الدار البيضاء؛ حيث لعب هناك من عام 1950 حتى 1953، ثم انتقل بعدها إلى نادي نيس ثم ستاد الفرنسي، وسجل 165 هدفاً في 200 مباراة في الدوري الفرنسي، وقد درب منتخب المغرب من عام 1979 حتى 1981.
وبالنسبة لعبد الرحمن بلمحجوب فقد ولد عام 1929 في الدار البيضاء، وعرف كلاعب مميز مع نادي الاتحاد الرياضي، قبل أن يحترف مع نادي راسينج باريس الفرنسي في 1951، ثم نادي نيس وحقق معه لقب كأس فرنسا في 195، وقد لعب أيضاً لمنتخب فرنسا في مونديال 1954.
أسطورة ألعاب القوى
وعلى صعيد الألعاب الرياضية الأخرى برز الراضي عبد السلام كبطل في ألعاب القوى للمسافات الطويلة، فهو ولد في مرنيسة عام 1929، وهي منطقة جبلية؛ لذلك عمل في الزراعة بصغره مما أكسبه قوة بدنية هائلة، وفي عام 1950 تطوع في الجيش الفرنسي خلال فترة الحماية، واكتشف الضباط المشرفون عليه أنه يستطيع العدو لمسافات طويلة من دون تعب، ليقرروا منحه الإذن للمشاركة في البطولات العسكرية الخاصة بالركض، قبل أن يمثل فرنسا قبيل استقلال المغرب في بعض المسابقات الدولية من أهمها سباق الأمم.
ومع نيل المغرب استقلالها، عاد الراضي لتمثيل بلاده رياضياً في المحافل الدولية، وقد شارك في أولمبياد روما عام 1960 في سباق الماراثون وخاض السباق الشهير مع الأسطورة الأثيوبية بيكيلا الذي نال الذهبية وهو يركض حافي القدمين، في حين انتزع عبد السلام الميدالية الفضية بعدما دخل خط النهاية بفارق 25 ثانية، فكانت أول مشاركة للمغرب وأول ميدالية أولمبية له عن طريق هذا البطل، وكانت كذلك أول ميدالية عربية في الألعاب الأولمبية.
ومن رواد ألعاب القوى المغربية باكير بن عيسى المولود في الرباط، والذي حصد حتى عام 1968 الكثير من الميداليات والإنجازات إن كان لفرنسا أو المغرب بعد الاستقلال.
والتحق باكير بن عيسى في عام 1952 بنادي راسينج باريس ومارس ألعاب القوى هناك، وفي نفس السنة فاز ببطولة فرنسا للعدو الريفي وفي سباق 10 آلاف متر، كما توج بطلاً للعالم مع المنتخب الفرنسي للعدو الريفي عام 1955 وثلاث مرات وصيفاً لبطل العالم سنوات 1954 و1957 و1958.
كما توج باكير بن عيسى بطلاً لفرنسا في العدو الريفي عام 1957، وهي السنة التي حمل فيها قميص المغرب وتألق في أول تظاهرة رياضية رسمية يشارك فيها المغرب بعد الاستقلال ألا وهي دورة الألعاب العربية في بيروت.
أما أشهر ملاكم عرفته فرنسا في تاريخها، مارسيل سردان، فقد ولد عام 1916 في سيدي بالعباس الجزائرية ثم رحل مع عائلته إلى المغرب عام 1922 واستقر في الدار البيضاء، وبدأ مشواره الرياضي كلاعب كرة قدم ولعب بصفوف الاتحاد الرياضي البيضاوي وجمعته صداقة قوية مع العربي بن مبارك، ليحملا معاً، بيد أن ميل سيردان إلى الملاكمة جعله يحترفها على حساب كرة القدم، وقد لقبته صحف ذلك الزمن بالمدمر المغربي.
احترفه سردان الملاكمة وبرع فيها وخاض في المجموع 117 نزالاً انتصر في 113 منها، ونال صيتاً دولياً كبيراً وفاز بخمس بطولات فرنسية في فئة الوزن الثقيل وأربعة ألقاب أوروبية، كما نال لقب بطل العالم.
والدليل على تعلقه بالمغرب فإن سردان خاض في عام 1948، نزالاً بمواجهة الأمريكي توني زايل في نيوجيرسي وفاز بالضربة القاضية، ليستحق عن ذلك استقبالاً حاشداً في باريس ثم في الدار البيضاء.
كان لزاما على مارسيل سيردان أن يدافع عن حزام بطل العالم الذي كان في حوزته، ليواجه بمدينة ديترويت الأمريكية الملاكم جاك لاموتا في 16 يونيو 1949، وخسر النزال ليتم برمجة نزالاً ثأرياً آخر ومن سوء حظه انه توفي قبل خوضه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"