استفــزازات الهواجس اللاتينيّة

00:08 صباحا
قراءة دقيقتين

هل أنت شديد الحساسية إزاء المباحث الشائكة؟ لا عليك، كل ما هنالك دردشة لغوية في همّ من هموم العربية. في الحقيقة، كان القلم مستمتعاً بمحاضرة تسعين دقيقة لعلامة المعاجم الفرنسية، الراحل آلن ري. المثل الفرنسي «فلان يتكلم كالكتاب» لا ينطبق عليه، لأنه يتكلم مثل المكتبة.
تحدث عن تاريخ الفرنسية، بغمزة دعابة: «يجب أن أذكّر بأن كلمة فرنسية غير فرنسية، فهي جرمانية. الفرانكيون قدموا إلى شمال فرنسا من شمال هولندا». أمّا بلاد الغال، التي يفتخر بها الفرنسيون، فجذورها سلتية، وتلفظ كلتية أيضاً، أي من إيرلندا ومنطقة ويلز. انتشرت اللغة الغاليّة قرابة خمسة قرون، واندثرت، بقي من آثارها أسماء المدن الفرنسية. انقرضت، لأنها لم تكن مدونة. الحمد لله على أن العربية مكتوبة.
ما يهمنا، كما يقول المتنبي: «وكل بعيد الهم فيها معذّبُ»، هو أن الإمبراطورية الرومانية سيطرت على أوروبا، فسادت اللاتينية قروناً. بقي أن ندرك أن الأواصر الثقافية والاجتماعية، كانت منعدمة تقريباً في القارة، إذ كانت الطبقة المتعلمة كلها في الكنائس والأديرة، وكانت قلة لا تتجاوز 5%. في تلك المئات من السنين، شهدت اللغة اللاتينية تحولات كبيرة: العصر الذهبي (70 ق.م إلى 14 ب.م)، كان من أعلامه يوليوس قيصر نفسه، الذي كان كاتباً أديباً، سيسرون، فيرجيل، لوكريس،هوراس، أوفيد. العصر الفضي (14 إلى 130)، هو حقبة اللاتينية الإمبراطورية، التي عرفت أوج الأساليب البلاغية، من أعلامها الفيلسوف والمسرحي سينيك والمؤرخ تاسيت. عصر اللاتينية المتأخرة (من القرن الثاني إلى منتصف السابع)، ثم اللاتينية الوسيطة، وأخيراً اللاتينية الحديثة التي امتدت إلى القرن السادس عشر.
وصلنا إلى المنطقة الساخنة الحساسة الشائكة. في اللاتينية الوسيطة الذي امتد من سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي إلى سقوط القسطنطينية 1453، بدأت تتفكك «الإمبراطورية اللغوية» لترثها لهجات صارت لغات: الإيطالية، الفرنسية، الإسبانية، البرتغالية، الرومانية، وأخرى أقل شهرة. الشاعر دانتي هو الذي جعل اللهجة التوسكانية اللغة الإيطاليّة. الفيلسوف ديكارت كتب في البداية باللاتينية ثم بالفرنسية، وكرت السبحة. حمى الله العربية العزيزة، لهذا حذار أن تشعر بالبراغيث تحت ثوب جنابك، إذا حاول أحد أن يجعل دماغك كالخلاط، سلمت سكينة أفكارك. لا عليك إذا رأيت اللهجات العربية تستأسد أو تستنسر منذ عهد «اللغّة اللبنانية» لدى سعيد عقل، واليوم ويكيبيديا باللغة المصرية، ونشرات أخبار عامية في تونس ولبنان.
لزوم ما يلزم: النتيجة القياسية: حذار السؤال: كيف صارت اللاّتينية لغة الكنيسة فقط؟
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"