الإبقاء على إيقاع التوتر

00:15 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

لم تكن هناك توقعات كبيرة في اللقاء بين وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن ونظيره الروسي سيرجي لافروف، فهذا اللقاء واللقاءات التي سبقته على مختلف المستويات ما تزال تراوح حول دائرة التهديدات والتهديدات المضادة وإيحاءات الحوافز الممكنة في أزمة الحشود العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا.

 ومن خلال مسارات الأزمة السابقة واللاحقة يمكن القول إن الاختراق الذي تحقق منذ بداية اللقاءات المباشرة على مستوى الرئاسة أو كبار السياسيين هي لقاءات تأسيسية لا تطمح إلى وضع حلول للأزمة المستعصية التي تتجاوز حدود أوكرانيا، بقدر ما تهدف الى استكشاف آفاق ممكنة للتعاون بين قوى متنافسة لا ترغب أي واحدة منها في التورط في مواجهة عسكرية شاملة.

 وقد حافظ الطرفان، طوال الفترة الماضية، على إيقاع التوتر عبر تصريحات اتسمت بالعنف والشدة؛ لكنها لم تصل إلى حد الإضرار بالبيئة الجديدة للحوار الذي يمكن أن يسفر في نهاية الأمر عن اتفاقات تعاون مستقبلية غير متوقعة وتتجاوز القضايا؛ مثار الخلاف الحالي. لكن المهم في هذه المرحلة المحافظة على إيقاع التوتر، فهو يخدم أهدافاً عديدة، ويمهد الطريق نحو طرح قضايا شائكة على طاولة البحث والنقاش، وينشئ المناخ المناسب لتناولها من دون حساسيات مسبقة أو تدخلات ضارة.

 وفي نهاية الأسبوع الماضي، وافقت الولايات المتحدة على قيام دول البلطيق بإرسال أسلحة أمريكية إلى أوكرانيا. وتعهدت بريطانيا بإرسال أسلحة مضادة للدبابات إلى كييف، وعقد وزير الخارجية بلينكن لقاءات مع قادة أوروبيين في برلين، لتنسيق المواقف قبل لقائه مع نظيره الروسي. وفي المقابل تمسكت موسكو بمطالبها الخاصة بالضمانات الأمنية، وطالبت بردود مفصلة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. بينما استمرت في التقليل من قيمة الاتهامات حول نواياها لغزو أراضي أوكرانيا من دون أن تقدم أي تعهدات بسحب قواتها من منطقة الحدود.

 ويجدر بنا في هذا الخصوص أن نذكر أن روسيا اليوم بالنسبة للغرب ليست هي الاتحاد السوفييتي السابق؛ فالقيادة الروسية الحالية لا تحمل مشروعاً عقدياً بديلاً للمشروع الغربي القائم على قواعد التجارة الحرة وتداول السلطة عبر الانتخابات.

بل إن الرئيس فلاديمير بوتين هو الوريث الشرعي للنظام الذي أطاح الدولة الشيوعية في روسيا، وحّول حزبها العملاق إلى كيان هامشي لا يكاد يلحظ له وجود. من جانب آخر فإن شخصية بوتين المحافظة تختلف كثيراً عن شخصية الديماغوجي النازي أدولف هتلر الذي تسبب في إشعال أوار الحرب العالمية الثانية. فرجل المخابرات السابق الذي تسلم دولة على شفير الانهيار يريد مراكمة نجاحاته، ولا يسعى لمقامرة غير محسوبة العواقب.

 هذا الافتراض قد يدفع الغرب للتفكير بشكل مختلف حول مفهوم الجغرافيا السياسية لأوروبا وحدودها، وقد يدفعه الطموح إلى التفكير في الكيان الروسي الجديد باعتباره شريكاً محتملاً في مواجهته الكبرى ضد الصين، فهل هذا حقاً ما يجري من وراء الكواليس في جنيف وواشنطن وبرلين وموسكو؟. وهل هناك مفاجأة من نوع ما بانتظار العالم؟

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"