أسوأ الأعداء..

الهجوم من الداخل على الديمقراطية الحديثة
00:16 صباحا
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
1

عن المؤلف

الصورة
ل
توم نيكولز
أستاذ في شؤون الأمن القومي، في كلية الحرب البحرية الأمريكية، وكاتب عمود في «يو إس إيه توداي»، وكاتب مساهم في «ذي أتلانتيك»، وله عدد من المؤلفات. كما أنه يحاضر بجامعة هارفارد وأستاذ مساعد في كلية القوات الجوية الأمريكية لدراسات القوة الإستراتيجية. وهو مساعد سابق في مجلس الشيوخ الأمريكي، وزميل برنامج الأمن الدولي في كلية جون ف. كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد.
  •  دونالد ترامب خسر الانتخابات بسبب الكوارث الناجمة عن «كورونا»
  • ألاعيب في الداخل الأمريكي تضع الشعب وحريته في محنة كبيرة
  • الإنترنت و«ثورة الاتصالات» أوصلتنا إلى هذه النقطة المظلمة
  • هناك دائماً ملامح حكم استبدادي طالما هناك بشر فاسدون وأشرار
  •  اليمين الشعبوي كان التهديد الرئيسي للديمقراطية الليبرالية

 تتعرض الديمقراطية الليبرالية في الولايات المتحدة إلى هجوم عنيف من الداخل، وأصبحت الثقة بالمؤسسات الديمقراطية تتراجع بقوة، خاصة بعد أزمة وباء كورونا. يتناول كتاب «أسوأ أعدائنا» كيف أن الديمقراطيات الحديثة لا تهتز نتيجة اعتداءات خارجية؛ بل بفعل أعداء داخليين شرسين لا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية.
نشأ مؤلف الكتاب توم نيكولز في منزل من الطبقة العاملة في ماساتشوستس، وهو الآن أستاذ في الكلية الحربية البحرية الأمريكية ومدرسة هارفارد الإرشادية، كما أنه من المحافظين. 
 يقول إن العدو باختصار هو «نحن»، ويرى أن مواطني الديمقراطيات «يجب أن يعيشوا الآن مع معرفة أنهم قادرون على احتضان الحركات غير الليبرالية ومهاجمة حرياتهم».
 الكاتب في عمله هذا ينطلق من واقع الولايات المتحدة الحالي، والشكل المتراجع لديمقراطيتها، خاصة بعد الإشكاليات التي فعلها الرئيس السابق دونالد ترامب وأزمة كورونا التي عطلت الاقتصاد العالمي، وليس الأمريكي فحسب، ويسعى إلى كشف الألاعيب التي تجري في الداخل الأمريكي والتي تضع الشعب الأمريكي وحريته وديمقراطيته في محنة كبيرة.
 يناقش توم نيكولز بنبرة تشاؤمية حالة الديمقراطية الأمريكية، ويرى أن الجمهوريين عازمون على دفع أحداث 6 يناير/كانون الثاني) 2021 - عندما هاجم أنصار دونالد ترامب مبنى الكابيتول الأمريكي - في حفرة عميقة في الذاكرة. كما يرى أنه لا يزال حكام الحزب الجمهوري في فلوريدا وميسيسيبي وتكساس متفائلين رغم أن كورونا يرسل الأطفال إلى العناية المركزة.
 في عام 2016، حث نيكولز المحافظين على التصويت لهيلاري كلينتون لأن ترامب كان «غير مستقر عقلياً للغاية». يقتبس نيكولز من أبراهام لنكولن كيف أن التهديدات للديمقراطية الأمريكية تأتي دائماً من الداخل قائلاً: «إذا كان الدمار نصيبنا، يجب أن نكون أنفسنا من ينهيه».
 يرى نيكولز أن الإنترنت و«ثورة الاتصالات» هي التي أوصلتنا إلى هذه النقطة المظلمة. ويجد أن الحياة العامة أكثر من أي وقت مضى متعلقة بالدوبامين ورد الفعل الفوري والحيوية المتزايدة، ويرى أن القرب الإلكتروني يولّد الازدراء.
 نيكولز يستوعب ويمقت كل شيء في الوقت نفسه، بالتالي ليس من المستغرب أن يستهدف بشكل خاص اليمين الشعبوي، الذي يقول إنه كان «التهديد الرئيسي» للديمقراطية الليبرالية على مدى العقدين الماضيين. هذا موضوع نقاشه، وهو ما يعترف به نيكولز، فقد كتب أن اليمين الشعبوي «حركة متجذرة في الحنين إلى الماضي والانتقام الاجتماعي».
 يأتي هذا الكتاب بعد مقدمة بعنوان «أسوأ أعدائنا» من خمسة أقسام وهي: الأول: جوع في نهاية العالم: مخاطر السلام والوفرة. الثاني: ألطف الناس الذين ستكرههم على الإطلاق: عندما يكون الجيران الطيبون مواطنين سيئين. الثالث: أليس هناك من فضيلة بيننا؟ الديمقراطية في عصر الغضب والاستياء. الرابع: فشل النظام؟ المعاناة الإنسانية والقضية ضد الديمقراطية الليبرالية. الخامس: مرحباً، أنا أكرهك: كيف يؤدي الارتباط المفرط إلى تدمير الديمقراطية. وفي النهاية يقدم خاتمة بعنوان «هل هناك طريق للعودة؟»
 أعراض انهيار الديمقراطية 
 في عام 2013 كتب نيكولز مقالاً بعنوان «موت الخبرة» حوّله بعد سنوات قليلة إلى كتاب أصبح شائعاً بنفس العنوان. يناقش فيه الطرق المزعجة التي يرفض بها الناس المعرفة الراسخة ويتجادلون مع الخبراء كما لو كانوا يعرفون ما الذي يتحدثون عنه. يقول عن ذلك: «كان بعضها بالطبع مجرد شكوى معتادة حول كيفية استماع الناس لمثقفين مثلي. حتى عندما كتبته، كان لدي شعور بأن شيئاً أكبر يحدث، ويمكنني أن أستنتج من تعليقات القرّاء وفي المناقشات والمحاضرات العامة على مر السنين أن الآخرين لديهم نفس التخوف. ربما لم يكن رفض المعرفة مجرد عدم معرفة الناس كثيراً. ربما كان إحدى ساحات الصراع الاجتماعي التي تهدد بتقويض أسس الحياة المدنية في الديمقراطيات. ربما كان أحد الأعراض المتراكمة العديدة لانهيار الديمقراطية الليبرالية نفسها»، مضيفاً: «في كل مكان ذهبت إليه، في الولايات المتحدة أو خارجها، تحولت المناقشات حول المعرفة والعلوم إلى مخاوف أكثر قتامة حول بقاء الديمقراطية، وكان يُطرح عليّ دائماً نفس السؤال: إلى متى يمكننا الاستمرار على هذا النحو؟ عادة، كنت أجيب بما يبدو الآن أنه تفاؤل لا مبرر له. أخبرتُ الجمهور بأنني كنت واثقاً من أنه عند مواجهة كارثة كبرى، مثل الحرب، أو الكساد، أو ربما حتى الوباء، وهو احتمال أثرته كثيراً بينما كنت لا أزال أعتقد أنه من غير المرجح أن يرتقي الأمريكيون إلى مستوى التحدي. كان هذا قبل أن يكون ل كوفيد-19 اسم».

1

 ويشير أيضاً إلى أنه «وبينما كانت بعض هذه المخاوف مرتبطة بشكل مباشر بصعود دونالد ترامب، حتى هناك (على الرغم من معارضتي المبكرة والمتسقة لترامب وحركته السياسية الاستبدادية)، فقد دافعت عن نهج هادئ. طمأنت الجمهور وقلت لهم أن يثقوا بثقافة الدستور ومرونة المؤسسات الديمقراطية. كان بإمكاني أن أرى أن اللاليبرالية كانت في ازدياد في الدول الأخرى، لكنني كنت أؤمن بشكل استثنائي حقاً أن الولايات المتحدة ستظل ثابتة حتى لو تراجعت الدول الأخرى.
 كانت هذه التأكيدات بشأن استدامة الديمقراطية الغربية صادقة، ولكن كنت أخشى من مخاوف كانت تتزايد لبعض الوقت، وكثير منها قبل الموجة الجديدة من الاستبداد في أوروبا، قبل جائحة كورونا، قبل هجمات ترامب المتعددة على الديمقراطية وسيادة القانون، وقبل معركته للبقاء في السلطة التي بلغت ذروتها في أول خرق ناجح لمبنى الكابيتول الأمريكي من قبل القوات المعادية منذ العام 1814. 
 في وفاة الخبرة.. كتبت أنه عندما يتنازل الناخبون عن مسؤولياتهم كمواطنين، فإنهم يخسرون السيطرة على سلبيات مهمة والمخاطرة باختطاف ديمقراطيتهم من قبل ديماغوجيين جاهلين، أو الانحلال بطرق هادئة وتدريجية لمؤسساتهم الديمقراطية إلى تكنوقراطية استبدادية». لم أتوقع، في اللحظة التي كتبت فيها تلك الكلمات، ظهور أي زعيم من دول أخرى في العالم يشابه ترامب.. لكنني كنت قلقاً منذ فترة طويلة بشأن ظهور شخص ما، أو شيء ما، مثلهم جميعاً.
 ويضيف: ربما كان بعض هذا القلق مجرد امتداد طبيعي لقضاء الكثير من الوقت في مراقبة الأنظمة الاستبدادية. في بداية مسيرتي المهنية، كنت باحثاً في الاتحاد السوفييتي القديم. عندما تدرس في البلدان القمعية وتزورها، فإنك تفكر ملياً فيما يجعل دولتك مختلفة. تتساءل عما إذا كانت الحريات التي تعتز بها والقدرة على التحرك بحرية، وقول ما تريد، والارتباط بالآخرين حسب الرغبة هشة وعابرة. إنه خوف متأصل في كل مجتمع منفتح، على ما أعتقد. هذا هو السبب في أننا نحتنا قصائد ملهمة للديمقراطية في الجدران الحجرية للنصب التذكارية لجيفرسون ولينكولن: إنه تكريم لشكوكنا الخاصة، وأمل بأن يعطي الرخام والجرانيت الديمومة لهذه الكلمات والمثل حتى لو لم نكن نحن أنفسنا دائماً في موقع يدافع عنها.
 موجات جديدة من الاستبداد
 يذكر المؤلف أن ازدهار المجتمعات الحرة الجديدة في نهاية القرن العشرين شجعه على التخلص من بعض شكوكه. يعلق على ذلك: كان من المفترض أن يكون انهيار الاتحاد السوفييتي والموجة الكبرى من الديمقراطية التي أعقبته في التسعينات بمثابة الموجة «الثالثة» من التحرر البشري، بعد الثورات الاجتماعية الكبرى في القرن الثامن عشر ثم هزيمة الفاشية في الأربعينات. مع اقتراب القرن الجديد، بدا أن السؤال الوحيد هو مدى السرعة التي يمكن للديمقراطية، في نسخها المختلفة، أن تنتشر الآن في جميع أنحاء العالم. ستكون هناك دائماً ملامح حكم استبدادي طالما هناك بشر فاسدون وأشرار، لكن في ظل غياب كابوس مثل حرب نووية أو مجاعة جماعية، كنت واثقاً من أنه في عالم ما بعد الصناعة، لم نعد نتجادل حول ما إذا كانت الديمقراطية الليبرالية - النوع القائم على التسامح والثقة وحقوق الإنسان التي لا يمكن المساومة عليها - موجودة لتبقى. قد لا يكون سقوط المستبدين وظهور الديمقراطية الليبرالية هو «نهاية التاريخ» كما تصوره فرانسيس فوكوياما، لكنه كان تقدماً في الاتجاه الصحيح.

1

 لا تزال فكرة أن التحول الديمقراطي، لا سيما عندما تكون راسخة بالفعل، يمكن أن تبدأ في التلاشي تبدو له غير طبيعية. ويشير إلى أنه أصبحت حالة الديمقراطية العالمية الآن محفوفة بالمخاطر لدرجة أن مجموعة من الباحثين السويديين في جامعة جوتنبرج أطلقت على أوائل القرن الحادي والعشرين «موجة جديدة من الاستبداد»، مضيفاً: «هناك بوادر أمل، حتى لو كانت صغيرة وغير ثابتة. فكما اتضح، فإن الشعبويين غير الليبراليين رديئون جداً في الحكم، لا سيما أثناء الأزمة التي تتطلب انخراطاً ثابتاً ورزيناً. في الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، رأى الناخبون أن الوباء الذي تمت إدارته بشكل سيئ أصبح كارثة مسيسة تسببت في نهاية المطاف في وقوع عدد من القتلى يضاهي ما حدث في 11 سبتمبر كل يوم تقريباً، وحتى كتابة هذه السطور، بلغ عدد القتلى من الأمريكيين أكثر مما قتل في الحرب العالمية الأولى، الحرب العالمية الثانية، الحرب الكورية، وفيتنام مجتمعة. ونتيجة لهذه الكارثة جزئياً، طُرد دونالد ترامب من منصبه بحضور قياسي للناخبين. حزبه، مع ذلك، كسب الأرض، وإذا كان نحو أربعين أو خمسين ألف ناخب منتشرين في أربع أو خمس ولايات أمريكية فقط غيروا أصواتهم، سيظل ترامب يقود التهمة ضد الديمقراطية الليبرالية. حتى لو كان الناخبون في الولايات المتحدة وفي أي مكان آخر ممن فضلوا لمرة واحدة مثل هذه الأنظمة، عليهم إعادة التفكير في خياراتهم، فالضرر قد وقع بالفعل. يجب على مواطني الديمقراطيات في العالم الآن أن يعيشوا بمعرفة أنهم قادرون على احتضان الحركات غير الليبرالية ومهاجمة حرياتهم كمسألة نابعة من إرادتهم الحرة وليس نتيجة كارثة أو اعتداءات خارجية. الأسوأ من ذلك أن المستبدين الناشئين الذين يعيشون بيننا يعرفون ذلك أيضاً. لقد رأوا سوقاً كبيرة لما يبيعونه. 
 سيعودون، وفي المرة القادمة سيحضرون نسخاً أكثر لمعاناً وأفضل حزماً من الديكتاتوريات من الأنواع الأولية الخشنة التي قدمتها الموجة الأولى من الباعة الصاخبين والمندفعين» في السوق السياسي الشنيع.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
عاصم سجّاد أختار
9
هيلين تومسون
1
فرانسيس فوكوياما
1
ماري إليز ساروت

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
تشاي هان كيم
1
لويس ألكسندر بيرج
1
سالفاتور إنجل دي ماورو
2
ويندي فيتزجيبون وجون ليا
1
لين تشون
2
إيليا بودرايتسكيس
1
بيتر جيلديرلوس
3
سهيمة منظور خان