الشاعر «السابق»

00:43 صباحا
قراءة دقيقتين

ما أكثر ما نقول عن أحدهم بأنه وزير سابق، أو مدير عام سابق، أو مسؤول سابق، وحين نصبح متقاعدين نقول عن أنفسنا بأننا موظفون أو عمال سابقون، ولو انتقلنا إلى الحياة الشخصية للناس، يمكن أن يقال عن رجلٍ ما بأنه الزوج السابق لفلانة، وعن امرأة ما بأنها زوجة سابقة لفلان، حين ينتهي الأمر بشركاء الحياة الزوجية إلى الانفصال، وعلى هذا قس الكثير.
لكن هل يصح أن نقول عن أحدهم بأنه «شاعر سابق»، لأنه توقف عن كتابة الشعر، هل يكفّ الشاعر عن أن يكون شاعراً لأنه لم يعد يكتب نصوصاً جديدة، أياً كانت أسباب توقفه عن الكتابة، والسؤال نفسه يصح على الأديب، فهل يصبح «أديباً سابقاً» لأنه لم يعد يكتب، فهل يجوز أن ننزع عنه صفة الأديب، حين نجعل منه مجرد «أديب سابق»، رغم ما أنتجه من كتب أو نصوص في مراحل سابقة؟
سؤال أوحت لي به عبارة وضعتها الشاعرة عائشة المري على بروفايل صفحتها على «تويتر»، مُعرّفة نفسها بأنها «شاعرة سابقة»، والمري شاعرة تكتب الشعر النبطي، ولها فيه نصوص جميلة، وسبق أن صدر لها ديوان شعر في العام 2015، حوى مجموعة من نصوصها الشعرية بعنوان: «كنتَ أجمل وأنتَ حلم»، وفي أحد نصوصها وردت هذه الأبيات: «ملكتْ أشياء لكني خسرت شقدْ/ خساراتي هي اللي كوّنتْ لي باس/ وقلبي شاف لا قبلك ولا بعدك حدْ/ وش أسوي بهذا الأرهف الحساس».
سألتُ عائشة المري عن السبب الذي جعلها تصف نفسها بأنها «شاعرة سابقة»، وللدقة سألتها بالضبط: «هل اخترتِ هذا الوصف لأنك أصبحت تكتبين شعراً أقل من السابق؟»، فأجابت بما مفاده: إن هذا صحيح جزئياً، ولكن الأغلب هو أنها كانت أكثر حضوراً قبل أعوام، ثم غابت، لتعود، ثانية، لكتابة الشعر ولكن «بلهفة أقل»، والتعبير هنا لها، وكونها هي من اختارت أن تقدّم نفسها ك«شاعرة سابقة»، فإننا سنعتبر الأمر يندرج في خانة التواضع، وفي النهاية فإن الناقد والمتلقي هما من يمنحنان المبدع، شاعراً أو كاتباً، صفته هذه، فلا يكفي أحدهم أن يقول عن نفسه بأنه شاعر أو أديب، ليعدّه النقاد والقراء كذلك، ما لم يقتنعوا بما كتب أو يكتب.
المبدعون، بما في ذلك كبارهم، تأتيهم محطات يجدون أنفسهم عاجزين عن قول شيء جديد، وينتابهم ما يشبه الكسل فينصرفون نحو التأمل أو تسرقهم مشاغل الحياة، حتى تأتي لحظة يعاود فيها الإبداع التدفق في ثنايا أرواحهم، وينثال على الورق كتابة، وما أكثر ما يفاجئون قراءهم بأن ما كتبوه بعد انقطاع أكثر دهشة مما كتبوه سابقاً.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"