عادي

خيال الصغار يتيم

21:47 مساء
قراءة 4 دقائق

محمد إسماعيل زاهر

يكتب الكثيرون عن أدب الطفل العربي، ومن مختلف الزوايا، ولكن لا يذكر أحدهم قصة أو رواية عربية مكتوبة للطفل تصاحب الذاكرة حتى بعد النضج أو الدخول في عالم «الكبار»، وإذا توقفت قليلاً لأفتش في ذاكرتي عمّا استمتعت به من كتب خلال طفولتي، وأنا أنتمي للجيل الورقي، فلن أجد إلا قصصاً وحكايات مترجمة.

كانت كتب الطفل العربي آنذاك، ثمانينات القرن الماضي، تعيسة سواء على مستوى الفكرة أو المعالجة وبالطبع في الرسوم، تدور في الأغلب حول مواعظ أخلاقية تحبب الطفل في الفعل الجيد، وتنبهه كي لا يقع في الخطأ، لغتها إرشادية واضحة مهما حاول الكاتب أن يتخفى، الأهم من ذلك أنها كانت تصور العالم وفق بعدين أو مبدأين أخلاقيين: الخير والشر، والشخصيات مسطحة تدرك العالم بالأبيض والأسود ولا جدل أو تداخل بينهما، واتسمت بأسلوب وعظي مباشر، وكان معلم اللغة العربية إذا نصحنا بشراء قصة من خارج المقرر كنا نمّل فور مطالعتها في البيوت، لم يكن أمامنا آنذاك إلا التوجه نحو قصص الأطفال المصورة والمترجمة والتي كانت تطبع في بيروت على ورق مصقول وناعم: «سوبرمان»، «الوطواط»، «لولو الصغيرة»، «بساط الريح»، «تان تان»..إلخ.

مقارنة

وإذا قمنا بمقارنة سريعة آنذاك، لوجدنا شغف الأطفال في مصر مثلاً بمجلة «ميكي»، الأمريكية، مقارنة بمجلة «سمير» العربية، أو بشخصية «سوبرمان» مقارنة بشخصية «عنترة»؛ حيث إن هناك مجلتين كانتا تصدران في بيروت الأولى: للرجل الخارق، والثانية: تصور بطولات أشهر فارس وشاعر عربي، والسؤال هنا هو لماذا كان الأطفال يعشقون «سوبرمان» ونادراً ما يتجهون صوب «عنترة»؟، ربما يحلو للبعض أن يفسر ذلك بالحديث عن التأثير الغربي والعولمة ومصفوفة طويلة لا تنتهي تدور حول حماية أطفالنا من الغزو الثقافي، ولكن في ذلك الوقت لم يكن مصطلح العولمة رائجاً، وعندما يختار الطفل بإرادته الحرة من دون أي تدخل شخصية «سوبر مان» فأمر له مغزى ودلالة يتجاوزان الرسوم الخلابة التي كانت تتميز بها تلك المجلة مقارنة بمجلة «عنترة»، لقد كانت شخصية «سوبر مان» عبارة عن خيال محض وتنتمي إلى المستقبل، والبطل يطير في الفضاء ويغوص في أعماق البحار ويحارب أعداء البشر الذين يستخدمون أحدث الوسائل العلمية، وهو الفارق الذي سيستمر لاحقا مع أي قارىء عندما يكبر قليلا ليطالع أدب اليافعين أو يبحث عن أدب خيال علمي عربي، هنا لا جدوى من التفتيش أيضاً عن نموذج عربي يبقى في الذاكرة أو يحفر في الوجدان.

في طفولتنا كنا ننجذب للصورة وشخصية البطل ونوع الطباعة، وعندما كبرنا اكتشفنا أن أدب الطفل العربي فقير في هذه الجوانب جميعها. وإذا انتقلنا إلى جوهر ذلك الأدب فستواجهنا إشكاليات عدة. إن مجرد المطالبة بمضمون تربوي في أدب الطفل هو في حد ذاته مقتل لهذا الأدب، خاصة وأن معظم أدبنا العربي، للأطفال واليافعين والكبار، نادراً ما ينجح في لعبة المسكوت عنه، يفشل في مراوغة البوح والكلام المحسوب، فالأديب العربي مولع بقول كل شيء للقارىء، هو أديب نشأ على قصص عربية للأطفال أو حكايات للأمهات والجدات كانت تجعل العالم مرئياً لأقصى حد، ولا مجال للمخفي والمخبوء أو ما يثير السؤال أو يحرك الخيال، هنا نحن أمام دائرة مغلقة، فطفل تلقى الأدب بهذا الأسلوب سيكتب للأطفال أو الكبار على الشاكلة نفسها عندما ينضج، ولن يكون مبتكراً إذا انخرط في مجال آخر في الحياة، فالخيال من بدايته محاصر بنهايات لقصص معروفة الأحداث والنهايات، والوجدان محصور في أوامر ونواه تربوية سخيفة، والعقل مكبل بكل ما هو ملموس.

باستثناء ألف ليلة وليلة، هل يمكن اعتبارها حكايات للأطفال؟، لايوجد كتاب عربي موجه للأطفال بإمكان الكبار قراءته، وهنا أيضاً مغزى آخر، عندما تقرأ الآن «أليس في بلاد العجائب» أو «حكايات أندرسن» أو «حكايات غريم»..إلخ، ستجد أمامك عالماً متكاملاً يتقاطع فيه كل ما هو طفولي بكل ما هو ناضج، خيال منفلت من عقاله مغزول من قماشة فلسفية تغريك بالتفكير في أعقد القيم والأفكار، فعلها ألبرتو مانغويل عندما خصص أحد أبرز كتبه لتحليل شخصية «آليس» ومغامراتها في بلاد العجائب، وفعلها آخرون مع شخصيات لا يزال المثقف العربي يعتبرها تافهه أو ساذجة مثل «الرجل الوطواط» وشخصية «الجوكر»..

تبادل المواقع

أن تقرأ ما هو مكتوب للطفل بصفة أساسية، ويثري ذلك خيالك، وتجد نفسك في حضرة التفكير، وأن يتحول ذلك المكتوب إلى أفلام ومسرحيات يشاهدها الجميع وحتى إلى دراسات فلسفية، ويجد فيها كل متلقِ ضالته، وأن تتحول كتابات الكبار إلى قصص مصورة أو مبسطة للأطفال..أن تدخل في هذا العالم الذي تتبادل فيه المواقع بين الصغار والكبار.. الكتاب والنقاد.. الجمهور والفلاسفة معناه أن الثقافة متكاملة ومنسجمة لا فصل فيها، فهذا الطفل المحاط بكل هذا الزخم سيكتب بحبر خياله عندما يكبر، لن يتعثر في واقع خشن أو جلف، هنا الدائرة مفتوحة ولا نهائية فالطفل الآخر الذي سيمتهن أي عمل بخلاف الكتابة سيبتكر ويبدع فاللامرئي بالنسبة له على بعد خطوة أو هو في راحة اليد بالفعل.

الحديث عن أدب الطفل العربي كاشف لإشكاليات ثقافتنا كافة، ثقافة معزولة ونخبوية، تعاني الفصل الحاد على المستوى الرأسي فهي مغتربة عن جمهورها، أما على المستوى الأفقي فلا تؤمن أصلاً بأدب الطفل أو تعتبره أدباً من الدرجة الثانية، ثقافة وصائية إلى حد كبير فكما يحدد للكاتب ماذا يقدم للأطفال، لن تجد في جميع حواراتنا إلا ما يؤكد أننا ندور حول سؤال ماذا ينبغي أن نكتب للجمهور؟، وبأي طريقة؟ فضلاً عن توجيهاتنا للقرّاء بما يطالعونه..إلخ.

هذا الحديث بأكمله يدور في عالم الورق وزمنه وشروطه، أطفال الراهن أسرى التكنولوجيا، أبناء الصورة، الآن علينا أن نفكر في ثقافة الصورة بعمق حتى نستطيع إنتاج عالمنا المصور في المستقبل، ولا نكرر الخطأ نفسه عندما أهملنا أدب الطفل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"