عادي

فوضى التأليف للأطفال

21:41 مساء
قراءة 7 دقائق

استطلاع: نجاة الفارس

إلى أي مدى يحترم أدب الطفل العربي عقلية صغارنا في عصر التكنولوجيا والصورة والعالم المفتوح؟، يؤكد عدد من الكتّاب أن أدب الطفل في وطننا العربي بحاجة إلى إحداث نقلة نوعية تتماشى وطبيعة الطفل في ظل التسارع التكنولوجي، وتغير الوسائط الناقلة، فالمحتوى التقني المتاح في فضاء الإنترنت غير ملائم بشكل كبير لهوية الطفل ومجتمعه وعقيدته وحتى بيئته التي يعيش فيها.

أضاف الكتّاب ل«الخليج» أن على كاتب الطفل أن يمتلك الدافع المستمر للقراءة والاطلاع في كل ما يخص الطفل من مستجدات علمية وفكرية ونفسية؛ لينتج أدباً مميزاً يستطيع مواجهة مختلف التحديات، وجاذباً للطفل وسط كل ما يجده حوله من مغريات.

يقول الدكتور محمد عيسى الحوراني ناقد وأكاديمي أدب الطفل: «وطننا العربي بحاجة إلى إحداث نقلة نوعية تتماشى وطبيعة الطفل في ظل التسارع التكنولوجي، وتغير الوسائط الناقلة، فضلاً عن عالمية الأدب عموماً وأدب الطفل خصوصاً، مما جعل للترجمة والقصص والحكايات المنقولة عن الأمم الأخرى حيزاً كبيراً في مكتبتنا العربية الخاصة بالطفل، وعلى الرغم من أن هناك أسماء كبيرة على مستوى الوطن العربي ممن اهتموا بالكتابة الأدبية للطفل، فإنني أرى خلطاً كبيراً بين ما هو تربوي وما هو أدبي، فلو عدنا إلى القصص والحكايات لوجدناها – في الأغلب – رديفة للكتب المدرسية التربوية، فهي تثقل على الطفل بالنصح والإرشاد والتوجيه، وتهمل إلى حد كبير الذائقة الأدبية لدى الطفل التي يجب أن يكون للأدب نصيب منها، وكذلك لو عدنا إلى الشعر، فالشعر الموجه إلى المرحلة العمرية الأولى والثانية، قلما يخلو من قصائد ليس فيها من الشعر إلا الوزن والقافية، وكأننا نعود إلى فكرة الشعر التعليمي التربوي، الذي يفتقر إلى تنمية الذائقة الأدبية لدى الأطفال، فعندما تتصفح ديواناً شعرياً مقدماً للأطفال ستجد - في الأغلب- قصيدة عن إشارة المرور مثلاً، أو عن شرطي المرور، وتجدها توجيهية تعليمية أكثر منها قصيدة تداعب المشاعر والأحاسيس، وحتى خيال الطفل بمنأى عن اهتمام الشعراء».

ويضيف الدكتور الحوراني، أما المراحل العمرية، فهناك خلط كبير بينها، وهناك فجوة بين الكم الذي يقدم لمرحلة دون أخرى، علماً أن لكل مرحلة خصوصية كبيرة، فابن الرابعة يختلف جذرياً عن ابن العاشرة، وكذا هناك من يعد مرحلة المراهقة من الطفولة، مع أننا لا نستطيع أن نعد ما يقدم لهم أدب أطفال، ولعل من المؤلم أيضاً، أن بعض الكتّاب يستسهلون الكتابة للطفل، دون أن يثقفوا أنفسهم بالطبائع النفسية والاجتماعية للمرحلة التي يكتبون إليها، فهناك فرق كبير بين متلقي الأدب من الكبار، وبين متلقيه من الصغار؛ إذ إن كل سنة في عمر الصغار تختلف عن سابقتها ولاحقتها من كل النواحي.

المحتوى المتاح

الشاعر ناصر البكر الزعابي يقول: «تميز أدب الأطفال العربي بالعراقة والأصالة، وشكّل مكوّناً أدبياً ساهم بإثراء الساحة الثقافية سواء كان عبر القصص المصوّرة، أو عبر مسرح الطفل وغيرها من العناصر الفاعلة، لقد نشأت أجيال على قراءة أدب الأطفال والذي واكب التطوّر، وسبق عصره في كثيرٍ من الأحيان، وفي رأيي أنه لم يتأثّر كثيراً بالتقنيات الحديثة؛ بل على العكس فقد اندمج مع هذه التكنولوجيا منذ مرحلة باكرة، إلا أن المعضلة الكبرى والظاهرة الأخطر هي عزوف الطفل عن الكتاب الورقي، بعكس الأجيال السابقة التي كانت تتسابق بنهم نحو جديد القصص، فقد استحوذت الأجهزة الذكية على اهتمامه، ولعب الإبهار البصري والصوتي دوراً كبيراً في هذا العزوف، و بالتالي ظهرت إشكالية أخرى وهي عزوف الطفل عن المحتوى العربي بشكل تام».

ويتابع الزعابي: «لقد وجد أدب الأطفال نفسه في خندقٍ هائل، فلم تعد مهمته توعية وتعليم الطفل؛ بل أصبح المنقذ الوحيد لأطفال المستقبل، مما يضاعف مسؤولية القائمين عليه، مما يدعو إلى إعادة النظر في البرامج المنفذّة مع الاستعانة بكبار الأدباء لوضع خطة قادرة على مواكبة العصر، أما في جزئية الخيال، فأعتقد أن أدب الأطفال يحتوي على خيال خصب مناسب للفئة للعمرية مع ضرورة الحفاظ على الهوية المحلية والابتعاد عن التغريب الفج، فأدب الأطفال يحترم العقول وله تواجد هادف في الخريطة التعليمية وأراه المكوّن الأول لشخصية الطفل شريطة أن يشبع شغف الطفل، وأن يزوّده بالمادة العلمية المطلوبة، ولا ننسى أن المحتوى التقني المتاح في فضاء الإنترنت غير ملائم بشكلٍ كبير لهوية الطفل ومجتمعه وعقيدته وحتى بيئته التي يعيش فيها، لا يمكن إغفال أهميته ولا يمكن تجاهله فقط علينا أن نقدّم محتوى عصرياً يلائم أطفال القرن الجديد، فالوطن العربي يضم أسماء لامعة في قطاع أدب الأطفال وأظنهم يمتلكون القدرة على إحداث الفارق وإزالة الفجوات المعاصرة».

مسؤولية مشتركة

الكاتبة والناشرة هبة مقدم تقول: «أدب الطفل مسؤولية إبداعية وهم أخلاقي إنساني في الدرجة الأولى، وأن مدى القدرة على التواصل والاتصال الفكري والنفسي والروحي للطفل ومخيلته النورانية التي تتوسع وتنمو بسرعة ونهم، وتقديم ما يدهش ويبهر في مسار أدب خلاق، يجب أن يكونا المحفز الحقيقي والوحيد للكتابة الإبداعية في أدب الأطفال».

وتؤكد أن واقع أدب الطفل يعيش حالة كرنفالية ملونة من الفوضى الواسعة والتي لا تحتفي بالطفولة بقدر الاحتفاء الذاتي بكاتب هذا الأدب، فلا يوجد آلية واضحة تنظم حركة أدب الطفل ومساراته، ولا يوجد ضبط في المضمون الموضوعي والفني والتقني والتربوي والبناء القويم لنتاجاته، وبداية هذه الفوضى والعشوائية هو في الاستسهال، والجهل بشروط الكتابة للطفل والاستخفاف بأدب الطفل على أنه أدب درجة ثانية.

وتضيف مقدم، أن لأدب الطفل أهمية بالغة في المجتمعات المتقدمة، وعلينا أن نسأل إذا كنا نعطيه ذات الأهمية في مجتماعتنا؟، وهل هناك مكانة لكاتب أدب الطفل العربي؟، وهل تتلاقى في نصوصه الأبعاد التربوية والأخلاقية والإبداعية؟، وهل هناك نقد صادق في أدب الطفل؟ وهل يأخذ هذا النقد حقه إعلامياً؟، مما لا شك فيه أن الثورة التكنولوجية بكل مغريات الصورة، ألوانها، دهشتها ومغرياتها المتعددة في اللعب والترفيه قد استحوذت على اهتمام الطفل أكثر بكثير من تأثير الكلمة ووقعها الكامن في أدب الطفل وسيطرت عليه تماماً، وعليه تقع المسؤولية على الآباء والأمهات في معرفة أهمية هذا الأدب أولاً والتوغل في عوالمه الشاسعة وبالتالي شد أطفالهم إليه وإلى سحره، كما تأتي مسؤولية الكاتب في تقديم ما يشد الطفل بعيداً عن الشاشة المضيئة إلى سحر الكلمة وأنوارها.

أمانة

الكاتبة سناء أبو هلال تقول: «منذ نعومة أظفارنا ونحن نعيش مراحل التطور في أدب الطفل العربي من برامج تلفزيونية كبرنامج افتح يا سمسم والمناهل وغيرها، إلى قصص مكتوبة وأخرى مصورة مثل عقلة الإصبع ومناهج مدرسية على شكل أشعار ومسرحيات وقصص لأحمد شوقي وغيره، وإن أصحاب القلم يحملون أمانة الرسائل التي تبث للطفل ليكون رجلاً في المستقبل نافعاً للمجتمع، فالجميع مسؤول أمام الله الكاتب والمربي، ولكنها تختلف من مكان إلى آخر في عصر الذكاء الاصطناعي، لذلك يحاول كل مفكر عربي أن يصنع محتوى ذكياً ليصل إلى ما يرضي هذا الطفل الذي نشأ على «الآيباد»، ويضع له في المناهج ما يُعلمه أن يبتكر شيئاً نافعاً مما تعلمه لنفسه ولأهله ولبلاده وللناس جميعاً، وأعتقدُ أن المسؤولية كبيرة على صاحب القلم والمربي في آن واحد، فهو الذي يرى الطالب أمامه لساعات طويلة،علينا أن نأخذ أطفالنا إلى شاطئ الأمان في تعليمهم ليكونوا قادة يفرقون بين النافع والضار ويستخدمون استراتيجية التفكير المبنية على أصول ثابتة لا تتغير مهما تطورت الأساليب التكنولوجية في تعليمهم».

وتوضح أبو هلال، هنالك أطفال اُشبعوا إلكترونياً ويريدون العودة إلى زمن حكايا الأجداد والدراسة التقليدية والجلوس على الأرض في الهواء الطلق وأخذ الحصة الدراسية بعيداً عن شاشات التعلم عن بُعد وهذا من حقهم، جميل أن نستخدم التكنولوجيا في أدب أطفالنا بميزان لا أن نُدخل التكنولوجيا في عقولهم، فهم بحاجة إلى نشلهم من هوس التكنولوجيا غير النافع ووضعهم في حلبة السباق الإلكتروني النافع، وما يهمنا كأدباء وككتّاب وكمفكرين هو إنشاء جيل يتربى على القيم الأصيلة ويرتقي في سُلّم الأخلاق مهما علا في سُلّم التكنولوجيا، جيل يكتشف الجديد ويصنع العلم لبناء الأوطان وإسعاد الناس ومساعدة المحتاج.

الكتاب صديق

الكاتبة وحكواتية الأطفال آمال الأحمد، تقول: طالما سألت نفسي: هل نسبة الأطفال الذين يحبون قراءة الكتب كبيرة في عصرنا الحالي؟، ووجدت الإجابة حين كنت أقابل الأطفال وأدردش معهم، وجدت أنهم يعشقون الصورة والمؤثرات المبهرة المقدمة من خلال التكنولوجيا؛ لذلك قررت حكاية القصص لهم بدلاً من طباعتها. وتضيف، ولا شك أن الكتاب المصور الورقي بالنسبة للأطفال أفضل بكثير من القصص المقدمة من خلال الشاشات، والتي مهما تطورت لا تستطيع تقديم الروائح والمشاعر واللمس والاتصال الحسي، إلا إذا قدمت بطريقة محترفة من خلال عرض سينمائي يجسّد الواقع باحترافية لا نجدها إلا في القليل من الأماكن؛ وذلك لكُلفتها العالية.

أساس مهم

الشاعرة هبة الفقي، تقول: أصبحنا نعيش في عصرنا الحالي واقعاً جديداً على مختلف الصعد، وفي كل أوجه الحياة التعليمية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وما نشهده من تطور التكنولوجيا بأنواعها يفرض على كتّاب أدب الطفل بجميع وسائله تقديم ما يسهم في تنمية قدرات وثقافات الطفل لمواجهة هذه التحديات، وبالطبع فإن أدب الطفل هو أحد الأسس المهمة لتكوين الوعي الثقافي للطفل، وتنمية مهاراته العقلية، وذكائه الاجتماعي وقدرته على التفاعل مع كل مستجدات العصر، وبناء هوية قوية لا تتزعزع مع أي مؤثر خارجي؛ لذلك فالعبء الذي يقع على عاتق كتاب أدب الطفل أصبح كبيراً ودورهم أصبح أكثر تأثيراً وسط تسارع الحياة وتعدد مؤثراتها التكنولوجية والفكرية والعلمية.

تحديات العصر

رغم ما يُقدم من تنوع في أدب الطفل سيظل صغارنا بحاجة أكبر للمزيد من العطاء الأدبي الأكثر مجابهة لتحديات العصر والأعلى قدرة على فهمها واستغلالها لخدمة صغارنا وتشكيل وعيهم وثقافتهم، فالكتابة للطفل أكثر صعوبة وتأثيراً من غيرها، فبناء الأجيال هو اللبنة الأولى لبناء المجتمعات، وعلى كاتب الطفل أن يمتلك الدافع المستمر للقراءة والاطلاع في كل ما يخص الطفل من مستجدات علمية وفكرية ونفسية؛ لينتج أدباً مميزاً قادراً على مواجهة مختلف التحديات، وجاذباً للطفل وسط كل ما يجده حوله من مغريات.
تكامل الحواس
لن نجذب الطفل إلى الكتاب من دون إشراك حواسه كلها للتعامل مع الورق، حيث سيجد في تلك اللحظة مساحة واسعة من الخيال واللغة والأحاسيس التي تهفو نفسه للتعرف إليها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"