عادي

سلطان..شخصية الخمسين الثقافية وشمس المعرفة

استحقاق إماراتي جدير به ووسام يليق بصاحبه
00:27 صباحا
قراءة 8 دقائق
Video Url

كتب: يوسف أبولوز
في يناير 2010 اختارت جائزة الشيخ زايد للكتاب صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة شخصية العام الثقافية، ليستقبل الوسطان الثقافيان الإماراتي والعربي هذا الاختيار بالكثير من التثمين والحفاوة اللذين هما تعبير تلقائي صادق من الكتّاب والمثقفين الإماراتيين والعرب تجاه صاحب السموّ حاكم الشارقة صاحب السموّ الثقافي، وصاحب مشروع الشارقة الثقافي الإماراتي، العربي، العالمي منذ نهاية سبعينات القرن العشرين وإلى اليوم.

في مساء اليوم الثاني من مارس عام 2010 أقيم حفل توزيع «جائزة الشيخ زايد للكتاب» في دورتها الرابعة في أبوظبي، وحين حضر صاحب السموّ حاكم الشارقة لتسلّم تكريمه، طلب منه القائمون على الجائزة إلقاء كلمة بالمناسبة، وارتجل سموّه كلمة تلقائية في مفرداتها، عميقة في معناها، مؤثرة في وجدان كل من سمعها في ذلك المساء التكريمي، ولعلّ أكثر ما كان مؤثراً فيها خاتمتها حين قال سموّه «أيتها الأم، أيها الأب، امسك القلم، وأجلس أبناءك حولك، واكتب، وسطّر، «هذا ما كان يحبّه زايد، هذا ما كان لا يحبه زايد».. ولنجمع تلك الأوراق، لا نضعها على الرفوف، ولا نتغنّى بها على الدفوف، وإنما نضعها في الصدور، ونضعها في مقدمة الدستور، بهذا الوفاء نكون قد أوفينا الرجل حقّه..».

في يناير 2020 احتفلت الشارقة بالذكرى الثامنة والأربعين على تولي صاحب السموّ حاكم الشارقة مقاليد الحكم في الإمارة، وفي المناسبة أصدرت «الخليج» في يناير 2020 ملحقاً خاصاً كان عنوانه «سلطان نصف قرن عطاء وبناء»، وضم الملحق الإنجازات والنجاحات والمشاريع التي حوّلتها الشارقة من مبادرات وأفكار إلى حقائق ووقائع وبنيات تحتية، وجسور وأنفاق ومدن جامعية، وإعلام، وثقافة، 1998 الشارقة عاصمة الثقافة العربية، 2014 الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية، 2015 الشارقة عاصمة السياحة العربية، 2019 الشارقة عاصمة عالمية للكتاب، وفي التفاصيل أيضاً أو في قراءات أخرى الشارقة بيت ودار وديرة المسرحيين العرب، عاصمتهم الضمنية أو الرمزية أو الواقعية، والشارقة عاصمة النشر العربي وصناعة الكتاب العربي ومنصّة توزيع الكتاب العربي، والشارقة بيت الحكمة، والشارقة بينالي الفنان الإماراتي، والعربي، والعالمي والإنساني.. والدورة الثقافية الإماراتية ومركزها الشارقة ما زالت تدور حول المحور نفسه، صاحب السموّ حاكم الشارقة مؤسس مشروع الشارقة الثقافي، والكاتب المسرحي الذي غذّى المسرح الإماراتي بأكثر من أحد عشر عملاً مسرحياً تاريخياً، والباحث الأكاديمي والميداني في وثائق ومعلومات وحيثيات تاريخ المنطقة، والمحقق التراثي وبخاصة في الشعر، وكاتب سيرة الذات وسيرة الشارقة والروائي والناثر والكاتب والمدقق، المُورِّق أو الورّاق، المُحَبِّر الكاتب بخط يده حتى اليوم وموادّ عمله الورق والحبر والقلم أوّل ما خلق الله.

استحقاق آخر

أشرت إلى العنوان الصحفي الدّال قبل عامين في الملحق المذكور «سلطان.. نصف قرن عطاء وبناء»، وقبل ذلك أشرت إلى وسام جائزة الشيخ زايد للكتاب على صدر سلطان «شخصية العام الثقافية»، وكل ذلك مقدّمة لأصل إلى استحقاق آخر جدير به صاحب السموّ الثقافي سلطان وهو «شخصية الخمسين الثقافية في الإمارات».

نعم؛ صاحب السموّ حاكم الشارقة رجل ثقافة ومحور مشروع، وصاحب رؤية أدبية جمالية ثقافية تنطلق أولاً ممّا هو إماراتي محلي أصيل، لتلتقي ثانياً بما هو عربي، تاريخي، جغرافي وجداني، ثم لتلتقي هذه الرؤية ثالثاً بما هو عالمي، إنساني، كوني.

من هذه الحيثيات نرى أن صاحب السموّ حاكم الشارقة هو فعلاً شخصية الخمسين الثقافية الإماراتية، وكانت المقدّمة قبل نحو عقد من الزمان حين اختارت جائزة الشيخ زايد للكتاب سموّه شخصية العام الثقافية.

إن شخصية صاحب السموّ شخصية ثقافية عربية عالمية، شخصية عام ثقافي، وشخصية عقد ثقافي، وشخصية عقود ثقافية، 50 عاماً هي أعوام حكم تلازمها أعوام ثقافة وعمل ثقافي لا يقتصر فقط على الدعمين المادي والمعنوي، بل، تتأصّل شخصية سموّه الثقافية أيضاً في كونه شريكاً أساسياً في الكتابة.

الورّاق المُحَبِّر

مرة ثانية المثقف والكاتب الورّاق المُحَبِّر. الحاكم الكاتب الذي يصنع من الورق والحبر وثائق ومؤلفات ومخطوطات وأمّهات كتب، جعلت من الثقافة العربية والإماراتية شمساً تشرق من الشارقة؛ وتعمّ بنورها وأنوارها العالم، وهذا ليس إنشاء، ولكنها الحقائق الدولية الموثّقة، ودعني أكتب للقارئ مقطعاً صغيراً يتصل بباريس «عاصمة النور» كما يطلق عليها عادة في المركزية الثقافية الأوروبية، وربما يكون لقب النور هذا قد أطلقته بعض النخب العربية على العاصمة الفرنسية.

شمس الشارقة

في آذار/ مارس 2007 استقبل الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، على درج الأليزيه، وبادره شيراك بالقول «شمس الشارقة أشرقت في باريس، لقد جئتم وجلبتم الشمس معكم يا صاحب السموّ»، والتقطت الصحافة الفرنسية والعربية هذه الإشارة من الرئيس الفرنسي آنذاك، وممّا كتبه أحد الصحفيين العرب وهو مقيم في باريس، أن اللقاء الودّي بين صاحب السموّ حاكم الشارقة، والرئيس شيراك تجاوز المدة البروتوكولية التي كانت مقررّة.. «لأن الرئيس الفرنسي أراد التعبير من جهة عن صداقته الخاصّة ومودّته تجاه حاكم الشارقة، ومن جهة ثانية عن إعجابه بالإنجازات الثقافية التي حققتها الشارقة بتوجيه من سموّه..».

الثقافة الأوروبية

غير أن العاصمة الثقافية لأوروبا، باريس التي أشرقت فيها شمس الشارقة على حدّ تعبير شيراك في 2007، قد عرفت الثقافة الإماراتية ممثلة في إنجازات الشارقة قبل ذلك بكثير، ففي 26 أكتوبر 1998 أقيم في باريس «أسبوع الشارقة الثقافي» بمناسبة اختيار «يونيسكو» للشارقة عاصمة إقليمية للثقافة العربية، ويومها، قال سموّه «إن التنمية الثقافية هي الركن القوي للجهود في النهوض بالإمارة، وإنه في الشارقة بالذات تفتّحت أولى بواكير التعليم في الإمارات، وتشكّلت أولى المدارس، وصدرت أولى الصحف، وأسست أوائل الأندية الثقافية، بهدف ربط حاضر الإمارة ومستقبلها بماضيها المشرق..».

وفي 22 يوليو 2003 كرّمت الجمهورية الفرنسية صاحب السموّ حاكم الشارقة بِ «وسام الجمهورية الفرنسية للفنون والآداب برتبة الفارس الآمر»، وقلّده الوسام وزير الثقافة والاتصال الفرنسي آنذاك «جون جاك أياجوين»، وألقى سموّه كلمة بالمناسبة ذكر فيها ملامح العلاقات الثقافية التاريخية بين العرب وفرنسا، وأشار إلى الدور التنويري للمفكرين والفلاسفة الفرنسيين في الثقافة الإنسانية.

هذه الشخصية الثقافية لصاحب السموّ حاكم الشارقة في العقدية الخمسينية، أو في العقود الماضية شخصية إماراتية صافية أولاً لقيادته مشروع الشارقة الثقافي، وهي ثانياً شخصية عربية لانفتاح هذا المشروع على مئات الكتّاب والأدباء والفنانين العرب، وهي ثالثاً شخصية عالمية لالتقائها بثقافات وحضارات جهات العالم الأربع بلا أية استثناءات أيديولوجية، أو عقائدية، أو عرقية، أو جهوية مهما كانت قوّة ضغط هذه المؤثرات المعروفة بسلبيتها المطلقة في ثقافات العالم.

مكونات وروافد

في الشخصية الثقافية لصاحب السموّ حاكم الشارقة أكثر من مكوّن أو أكثر من رافد.. في المسرح نحو 11 عملاً مسرحياً جميعها عرفت العرض على خشبات عربية وعالمية، وهنا إضاءات سريعة على بعض هذه الأعمال المسرحية

- في مسرحية «طورغوت» يعود سموّه إلى عام 1510 ميلادية «حين تمكّن الأسبان من اغتنام فرصة ضعف الأمير محمد بن حسين، الأمير التاسع عشر من السلالة الحفصية، حكام تونس، وانشغاله بالملذّات، من الاستيلاء على معظم مناطق شمال إفريقيا دون مقاومة تذكر، نظراً لعدم معرفة الأهالي باستخدام السلاح، فبقيت المناطق العربية بأيديهم لاثنين وأربعين عاماً..». - في «الحجر الأسود» يبني سموّه عملاً مسرحياً على صراع القرامطة مع العبّاسيين، وفي مسرحية «كتاب الله» نشاهد عرضاً يظهر تماماً مفردات الصراع التاريخي، بل والأبدي بين قيم وثقافة النور، وبين فكر وجهالة الظلام.

- في «شمشون الجبّار» يعود سموّه إلى جذور الصراع الديني والعقائدي والفكري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد اقتبس مادّة هذه المسرحية من الإنجيل.

- في «عودة هولاكو» يلاحظ سموّه عبر قراءته للتاريخ أن ما جرى للدولة العباسية قبل سقوطها مشابه لما يجري الآن على الساحة العربية.. وبكلمة ثانية هي مسرحية إسقاط الماضي على الحاضر «كأنما التاريخ يعيد نفسه».

- أوّل مشهد في مسرحية «الواقع صورة طبق الأصل» يظهر مدينة القدس في 1093 ميلادية، وتبدأ وقائع العرض من حارة المغاربة، حتى النهاية.. الصوت الجماعي الضميري لأهل القدس حتى اليوم «الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً.. وسبحان الله بكرة وأصيلاً...».

- في مسرحية «القضية» أو في المشهد الأول فيها ثمة رجل هو صاحب قضية، ورجل آخر هو شاهد يحمل بين يديه التاريخ.. يقول الشاهد عن التاريخ... «... أناس لم يقرؤوه فلم يستفيدوا منه، وأناس قرؤوه ولم يفهموه وهؤلاء لم يستفيدوا منه أيضاً، وأناس قرؤوه وفهموه ولم يعملوا به، وهؤلاء لم يستفيدوا منه أيضاً، وهؤلاء يستفيدون من التاريخ..». باختصار شديد هذا هو الدرس والمعنى والقيمة في هذه المسرحية.

- في «الاسكندر الأكبر» يبني سموّه عملاً مسرحياً على حياة أو جزء من حياة الاسكندر الأكبر، وتعكس هذه المسرحية الصراع الذي عادة ما ينشب بعنف بين الدول وحتى بين الأفراد.

مشروع حياة

مكتبته بحر له قيمته المعرفية والبحثية والإبداعية في الثقافة العربية ونخبها الفاعلة من شعراء وروائيين وفنانين ونقّاد يَرَوْن في المشروع الثقافي للشارقة وعلى رأسه صاحب السموّ حاكم الشارقة مشروع حياة ومستقبل ورؤية استشرافية نحو كل ما هو إنساني، وطيب، وجميل في عالم اليوم الذي يتوجه إلى خيارات الثقافة والفنون والإبداعيات الحرّة الإنسانية التي من شأنها وحدها أن تبشر بالخير والأمل والمحبة، وهي مفردات لها قيمتها المعنوية والمادية الكبرى في شخصية صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.

مخطوطات ووثائق

الجانب الآخر في الشخصية الثقافية لصاحب السموّ حاكم الشارقة يتمثّل في قلمه محققاً في مخطوطات ووثائق تاريخية وأدبية، و«التحقيق» جهد صعب أولاً يحتاج إلى الدقة والصبر، و«التحقيق» فن يلزمه قراءة وثقافة وأمانة في البحث والمقارنة، وعند هذه النقطة، تقوم كل مؤلفات صاحب السموّ حاكم الشارقة على أمانة الكاتب، وأمانة الباحث والمحقق والمُحَبِّر.

من أهم المخطوطات التي اقتناها صاحب السموّ حاكم الشارقة «المخطوطة الكاملة لكتاب دوارتي باربوزا 1565 ميلادية». يقول سموّه في مقدّمة هذا الكتاب.. «.. هذه المخطوطة الحالية، اقتنيتها عندما اكتشفت عام 2012 ميلادية، بعد أن كانت مفقودة مدة مئة سنة تقريباً، وهي بالتالي أقدم وأكمل النسخ المخطوطة، وهي بالغة الأهمية لسردها أحداثاً تاريخية..».

في جمعه وتحقيقه لقصائد الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، يقول سموّه: «.. أما الأديب الشيخ سلطان بن صقر القاسمي فقد أتى بالفرائد، أي الألفاظ التي تدل على عظم فصاحته، وجزالة منطقه، وأصالة عربيّته..».

تحقيق قصائد

حقّق صاحب السمو حاكم الشارقة ثماني قصائد من شعر الشيخ صقر بن خالد القاسمي وَعَنْوَنَها «القصائد الحكيمة بين الأسى والشكيمة»، وقد لاحظ سموّه أن هذا العنوان ينطبق على مضامين القصائد «لما بها من حِكَم وترديد للأسى والحزن والشكيمة»، ومن الشعر الذي حققّه سموّه مجموعة من قصائد هي مساجلات بين المرحوم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، وصديقه الشيخ محمد بن عبدالعزيز الصديقي من المملكة العربية السعودية.

يقول سموّه إنه حقق هذه المساجلات الشعرية، ونشرها.. «لما بها من كلمات عربية تدلّ دلالة واضحة على المقصود من الوصف يعجز كثير من النحويين الإتيان بها».

مكتبة صاحب السموّ حاكم الشارقة، وأقصد بها مؤلفاته في التاريخ، والتحقيق، والمسرح، والسرد، هي مكتبة لا تقوم على عنوان واحد، بل، تستقطب، بالضرورة، مجموعة من القرّاء والباحثين، المتخصصين منهم وغير المتخصصين.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"