عادي

سلطان.. عاشق التاريخ العربي والإسلامي وأدب السيرة

قدَّم مؤلفاته بتناول يؤسس لقاعدة جديدة من العلاقات بين الشعوب
00:58 صباحا
قراءة 12 دقيقة

إعداد: علاء الدين محمود
لا تقتصر مؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، على نوع إبداعي واحد، فقد كتب سموه في التاريخ والتراث والمسرح والشعر والسرد وأدب السيرة، ولعل الرابط بين كل تلك التجارب هو التاريخ العربي والإسلامي الذي يحضر بقوة في معظم تلك المؤلفات، وذلك يشير إلى أهمية التاريخ وأثره المتعاظم في حياتنا الحاضرة والمستقبلية، كما أن سموه يبرز كذلك الأدوار الكبيرة التي قامت بها الكثير من الشخصيات العربية والإسلامية في مختلف حقول المعارف، ليعيد إليها الألق والاعتبار بعد أن كاد يلفها النسيان.

إن تناول التاريخ لدى سموه يؤسس لقاعدة جديدة من العلاقات بين الشعوب، تقوم على المكاشفة والاعتذار، خاصة في ما يتعلق بالمحتل، وذلك مبدأ أصيل في مفهوم التسامح والذي لا يعني التغاضي عما جرى في الماضي وتجاوزه، بل ليكون ذلك الماضي موجوداً في الذاكرة لا يطويه النسيان، وذلك خيط ينتظم معظم مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة في كل الأنماط التي طرقها، وفي بعض الأحيان يجد القارئ نفسه في حيرة في تصنيف بعض الكتب، هل هي رواية، أم هو كتاب في التاريخ، أم سيرة؟ وذلك لأن بعضها بالفعل عصيّ على التصنيف، فهي بمثابة نصوص مفتوحة، أو كما يقول الكاتب الروماني اميل سيوران: «إن المهم هو الكتابة والكلمات وليس الأنماط الإبداعية».

لذلك فإن عملية التجول في تلك الأعمال تنطوي على متعة حقيقية ورحلة استكشاف لمجاهيل كثيرة في الواقع والتاريخ.

السهل الممتنع

إن أكثر الأشياء التي تلفت انتباه القارئ وهو في حضرة مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة، هو اللغة السهلة، أو ما يطلق عليه «السهل الممتنع»، الذي يحرض القارئ على المواصلة في القراءة دون توقف، وذلك يشير إلى الرغبة الكبيرة لدى المؤلف في أن تصل كلماته ورسالته إلى المتلقي، وهو في ذات الوقت يدل على قدرة كبيرة في تحويل تجاربه مع الاطلاع في المؤلفات والمصنفات والمعاجم الصعبة والبحث المضني إلى مادة مقروءة، ولعلنا في تجوالنا هنا ربما لا نستطيع الإحاطة بكل المؤلفات لكثرتها، ولكننا نحاول أن نأخذ ببعضها لكي نضع القارئ في قلب تلك العوالم الجميلة والحميمية التي تراوح بين السرد والتاريخ والفكر والحوار، تلك الأشجار العالية في بستان المعرفة، والتي ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية الحية.

الكتابة مسؤولية عند صاحب السمو حاكم الشارقة، وهي تحمل رسالة وغاية ومعنى، فالمؤلفات الأدبية في مجالات السرد والشعر لديه مثلها مثل مؤلفات التاريخ والتراث والمسرح نتاج بحوث ورحلة توثيق وتقصٍّ وبحث، لا مكان فيها للخلط أو الالتباس، فهي تحمل احتراماً كبيراً للمتلقي، ولا تضع أمامه غير المعلومة المفحوصة والمحققة.

وفي قراءة لبعض أعمال سموه الأدبية، ثمة رحلة ممتعة تجمع بين الجمال والألق والمعنى.

نضال القواسم

«الحقد الدفين»، هي من الروايات اللافتة لسموه، حيث صدرت نسختها العربية عام 2004، وترجمت إلى العديد من اللغات مثل الإنجليزية، والروسية، ولغة الأوردو، والمالايالم، وفي العام الماضي ترجمت إلى اللغة البرتغالية.

وتغوص الرواية عميقاً في حقبة من تاريخ إمارة الشارقة، متناولة قصة النضال الكبير الذي خاضه القواسم ضد الاستعمار البرتغالي الذي كان يقوده «ألفونسو دي ألبوكيركي»، ذلك الرجل الحاقد الذي شارك في الحروب الصليبية في شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، وترصد الروح العدائية التي طبعت الحملات البرتغالية في دول الشرق، وتظهر، في أحداث الرواية، الأغراض الحاقدة للقائد ألبوكيركي أكثر فأكثر، حين يتجه إلى مدن الساحل العربي للجزيرة العربية، ثم هرمز على الخليج العربي، فيقصف المدن ويدمرها، ويقتل البشر.

ولئن كانت رواية «الحقد الدفين»، قد وضعتنا في فترة مظلمة بفعل الأحقاد، فإن «الأمير الثائر»، عمل يحلق بنا في عوالم البطولة والشجاعة والإقدام العربي، بتفاصيل واقعية، فالرواية تتناول جانباً من سيرة الأمير «مهنا بن ناصر بن حمد الزعابي»، ذلك البطل الذي أخذته الحميّة، فثار على سيطرة الفرس على العرب القاطنين في ساحل فارس، وتروي أحداث الرواية سيرة الانتصارات المتعددة لذلك الفارس المقدام على الفرس والهولنديين، والعمل يقف وراءه بحث في المصادر والمراجع، بسرد شائق اكتملت فيه شروط المتعة والجمال، وتقنيات أضفت عليه البعد الجمالي والإبداعي، وتأتي أهميته لكونه يتصدى لمرحلة مهمة في التاريخ العربي، حتى تظل حية ولا تسقط من الذاكرة.

خيوط مبعثرة

وبرؤية عميقة، يلملم صاحب السمو حاكم الشارقة، خيوطاً مبعثرة ومتفرقة في روايته «رأس الأمير مقرن»، والتي نلمس فيها مقدرة على النفاذ إلى عمق الأشياء بقوة التناول الفكري والتاريخي والمعرفي والسردي، حيث يغوص المؤلف داخل مجاهيل الماضي، ويستدعي التاريخ العربي والإسلامي، ليكشف عما أقصي عنه من أحداث مهمة، كان لابد من إبرازها من أجل تصحيح الأخطاء المتعلقة بالكثير من التفاصيل، ويكمن التفرّد في أن الرواية تصنع خيطاً ناظماً يربط بين أحداث متباعدة جرت في مناطق عديدة مثل: هراة وهرمز، وبهلا بعُمان، وجلفار، والبحرين، ليقرب السرد بين تلك الوقائع والأحداث المتفرقة، والعمل يتناول، في إطاره العام، قصة «مقرن بن زامل الجبري الخالدي»، وهو حاكم شرق جزيرة العرب بما فيها الأحساء والقطيف والبحرين، والذي كان قد هُزم في معركة أمام البرتغاليين الغزاة في 27 يوليو 1521، الذين أخضعوا جزر البحرين لهم، ولما كان مقرن قد وقع أسِيراً في المعركة، فقد مات متأثراً بجروحه بعد بضعة أيام، لكن القائد البرتغالي أنطونيو كورّيا، لاحقه وقطع رأسه النازفة.

رد اعتبار

ورواية «حكم قراقوش... مبحث في حكم التاريخ»، هي أيضاً من الكتابات ذات الطابع السردي، التي يعمل من خلالها صاحب السمو حاكم الشارقة، على إجلاء الصدى المتراكم، على الكثير من الحقائق التاريخية، ففي الرواية، التي جاءت بأسلوبية حكائية فريدة، يستعرض المؤلف الزيف الذي أحاط بأبي سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي، والذي نُسجت حوله قصص غير حقيقية أظهرته بمظهر الظالم القاسي والمجنون، بالتالي يعمل الكتاب بالردّ على الصورة التاريخية المشوهة، وإظهار الصورة الحقيقية الصادقة التي نُسيت، بحيث لم يتبق في ذاكرة العرب إلا تلك التي سربتها الكتابات المتحاملة فجعلت من «قراقوش»، رجل صاحب أحكام عجيبة وغريبة، وعلى العكس من ذلك، فقد كان رجلاً باسلاً وشجاعاً، عمل في خدمة بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي، وكان من أخلص أعوانه وأقربهم إليه، وكان قائداً مظفراً وجندياً أميناً ومهندساً حربياً منقطع النظير.

أحداث متلاحقة

ومن الأعمال التي امتازت بالتفوق والجودة السردية، تلك الرواية الرائعة التي حملت عنوان «بيبي فاطمة وأبناء الملك»، والتي حملت رؤية جمالية مختلفة، وأطروحة جمعت بين السرد والتاريخ، وهي تحكي، في قصتها، عن تاريخ مملكة هرمز ابتداءً من العام 1588 حتى 1622 بانتهاء الاحتلال البرتغالي وهزيمتهم أمام الإنجليز، وتطرح العديد من القضايا وتكشف فصول الرواية الخمسة عن مراحل متقدمة من تصاعد السرد متكئة على أحداث متلاحقة، والملاحظة الجديرة في هذا العمل الروائي هي قوة الوصف للحياة الاجتماعية في هرمز، في جميع مناحيها، ورغم صغر حجم العمل الروائي إلا أنه جاء شديد العمق ويستند إلى أكثر من 35 مصدراً تاريخياً ووثيقة.

تقصٍّ

ومن الأعمال التي جاءت نتاج بذل معرفي كبير، وتقصٍّ بحثي جبار، رواية «الشيخ الأبيض»، وهي عبارة عن عمل سردي يتكئ على وقائع التاريخ وحقائقه، لأحداث جرت خلال القرن التاسع عشر، حيث بذل فيها المؤلف جهداً كبيراً من خلال جمع الوثائق، بل وكذلك قام بزيارة مدينة «سليم»، في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ضاهى المباني القديمة للجزء المتبقي من المدينة، وبلدة «جوهانس بول»، وزار متحف «بيبودي»، بل وبحث عن أحفاد جوهانس بول في «ظفار»، فعثر على السيد «عبد الخالق بن سالمين بن ربيع»، وكذلك أحفاد جوهانس بول وعلى الأم «بريكون»، وهي الشخصيات التي تسيطر على مشاهد الرواية المتعددة.

تنقيب

وتشهد رواية «فيليب العربي»، على القدرة العالية لدى المؤلف على التنقيب في الأماكن المهملة من التاريخ، وتسليط الضوء على أحداث لم يتناولها الرواة بصورة كافية رغم أهميتها، فالعمل يحمل تفاصيل تشير إلى التأثير والحضور العربي الكبير في الغرب، حيث إنها تتناول شخصية مهمة وهي الإمبراطور الروماني «ماركوس يوليوس فيليبوس»، المشهور بفيليب المولود في عام «204م»، في قرية بالقرب من مدينة بصرى الشام فهو ذو أصول العربية، حيث ينتسب والده إلى عرب منطقة اللجاة السورية، من الذين حملوا أسماء رومانية بعد إصدار الإمبراطور «كاراكلا»، قراره الشهير بمنح الرعوية الرومانية إلى مواطني الدولة كافة في أقاليم حوض المتوسط من دون استثناء، وبسرد ممتع يحيط المؤلف بتفاصيل تلك المرحلة.

سير ومواقف

إلى جانب الرواية، برع صاحب السمو حاكم الشارقة، في مجال الكتابة الإبداعية المتعلقة بالسيرة وسرد الذات، حيث يطل من خلاله على عوالم شديدة الجمال، تحمل عبق الأمكنة، وسحر التاريخ، ومآثر الشخصيات، ويحملنا السرد إلى وقائع حميمة وبديعة، ومن هذه المؤلفات التي تفوح منها عطرية شاعرية أنيقة كتاب «سيرة مدينة»، وفيها تحضر «الشارقة»، تلك الإمارة والمدينة التي يتجول السرد في تاريخها وحاضرها، وتفاصيلها وأحداثها، فالمؤلف كتب بحب، فجاء وكأنه قصيدة عشق، وكيف لا، والكتابة تتعطر بشذا المكان وسيرته، وإلى جانب قوة الوصف، نلمس المقدرة العميقة في التحليل الذي يتناول صراع القوى الإقليمية، والدور الكبير الذي لعبته الإمارة في النضال ضد الوجود البريطاني في الخليج.

معاني الانتماء

وبلغة شفيفة وتفاصيل محتشدة بالجمال والروعة، خرج كتاب «سرد الذات»، والذي يظهر إمكانية كبيرة ومقدرة لافتة للكاتب في امتلاك أسلوبية تجمع بين السرد والوقائع التاريخية والإشراقات الفكرية، التي تقود القارئ نحو المعاني التي تتدلى له كقطوف دانية، وتكمن الروعة والجمال في تلك المقدمة البديعة، التي خطها صاحب السمو حاكم الشارقة، والتي يقول في مقطع منها: «كتبت هذا الكتاب لأوثّق فيه تاريخ أهلي وبلدي، على مدى تسعة وعشرين عاماً»، وتحضر في تلك السيرة الوطن والجهود التي بذلت في تأسيسه، واللحظات التي سبقت ذلك، وحكايات ما قبل النفط، والقصص التي تظهر القوة والإصرار، وتبرز فيها معاني الانتماء والهوية، وفي الكتاب يروي صاحب السمو تفاصيل رحلته في الحياة قبل توليه مقاليد الحكم.

فيض الذاكرة

ومن الأعمال الشاهقة في مجال السيرة، يبرز كتاب «حديث الذاكرة»، وهو مؤلف ضخم يتناول عبر أجزائه الثلاثة، الوطن وإمارة الشارقة، والعالم العربي والكثير من الرؤى الفكرية التي سادت في مراحل تاريخية مختلفة، ويتناول أسراراً ويغوص في العديد من المواقف، وهو بمثابة وثيقة تاريخية للباحثين والدارسين، وبأسلوب ممتع يتعرف القارئ على حكايات قيام الدولة وتطورها المطّرد حتى زاحمت رايتها الآفاق، وذلك التطور الكبير يحمل حكايات مخفية، تشير إلى النضال المبذول في سبيل قيام الاتحاد، ويتوقف عند محطات مهمة في مسيرة الدولة.

حصاد

ومن المؤلفات البارزة في مجال السيرة والتوثيق، يحتل كتاب «حصاد السنين»، مكانة متميزة، باعتباره شهادة على ثلاثين عاماً من التأسيس والبناء، لمشروع الشارقة الثقافي، والذي يقوم على العمل الإبداعي المتواصل، ويقف الكتاب عند محطات مهمة ويتناول المنجز الثقافي لإمارة الشارقة الذي أسس له برافعة الفكرة والمعرفة والبصيرة صاحب السمو حاكم الشارقة، فهو المشروع الذي تتربى الأجيال في كنفه، ويتخرج المثقفون في مؤسساته ومبادراته، التي هي بمثابة فعل متطور، وطني وعربي منفتح على الآخر، والكتاب يرصد كل الأنشطة الثقافية التي تأتي كعنوان عريض لمشروع الشارقة الثقافي، منذ بدايته وحتى اللحظة الراهنة.

تدقيق

في الكتابة التاريخية، يتبع صاحب السمو حاكم الشارقة منهجاً منضبطاً، يقوم على التدقيق والتقصّي والتحري للوقائع التاريخية، ويستند إلى المراجع الموثقة ذات الصدقية العالية، يقوم برافعة الجهد البحثي الذي لا يتضمن الوثائق فقط، بل وكذلك زيارة الأمكنة المعنية التي جرت فيها الأحداث التاريخية، فسموّه يستدعي التاريخ من أجل تنقيته من الشوائب، وكشف الزيف والخداع في بعض وقائعه، وهو كذلك تأسيس لعلاقات تقوم على الندية والاحترام مع الدول، ونلاحظ في تلك المؤلفات قوة التقاط التفاصيل الحياتية وتوظيفه للمعلومات، وما يدور في الذاكرة الشعبية والتراث، ليصنع من كل تلك التفاصيل موضوعاً تاريخياً بأسلوب إبداعي يحضر فيه المؤرخ والأديب معاً في تآلف فريد يندر أن نجد له مثيلاً، والكتابة التاريخية عند سموه تستهدف عدداً من الغايات منها التعبير عن الثقافة العربية والإسلامية والتراث الخالد. ومن أهم المؤلفات التاريخية التي صدرت حديثاً، نجد كتاب «سجِلّ مكاتبات السلطان برغش سلطان زنجبار.. ومنها ما هو بخطه 1296ه - 1878م»، ويتناول بالبحث والوثائق شخصية السلطان «برغش»، ويقدم إضاءة لمرحلة تاريخية مهمة، ومن الكتب التي صدرت حديثاً أيضاً هناك مؤلف «اتفاقية الصداقة والتجارة بين ملك البرتغال وسلطان زنجبار سنة 1879م»، وكتاب «من هو الهولي»، وأيضاً هناك مؤلف «القول الحاسم في نسب وتاريخ القواسم».

إدانة

وفي سياق تناول البحوث التاريخية التي شكلت فارقاً كبيراً وكشفت عن كثير من الوقائع المخفية، لابد من الإشارة إلى واحد من أهم المؤلفات، وهو كتاب «إني أدين»، وهي إدانة ضدية، أي تقف غاضبة ضد إدانة سبق وتمت بلا قانون، ولا أدلة ولا عدالة، بل كان الحاضر فيها هو الظلم الشديد، بينما الإدانة في كتاب سموه هي تلك التي تأتي نتاجاً للوثائق والمستندات، وتوفر الأدلة والبراهين، وقبل ذلك هي تلك التي تتحرى العدالة، فهي مرافعة تخاطب ضمير الإنسانية، مدعومة بكل متطلبات البحث الذي ينشد الحقيقة، خاصة أن الأكاذيب وقلب الحقائق قد ترتب عليها الكثير من الظلم للتاريخ والتراث العربي، ليس في الأندلس فقط، بل في كل العالم العربي، واتخذت من الوقائع الملفقة منصة للهجوم على العرب تاريخاً وثقافة وحضارة، فقد احتلت الساحة الكثير من المؤلفات الغربية التي تنحاز إلى وجهة النظر الرسمية؛ أي التاريخ المزيف الذي كتبه المنتصرون، وهو الذي ملأ الدنيا ضجيجاً ليسكت الأصوات القليلة التي صدحت بالحق، والكتاب يقودنا إلى تلك المجاهيل المظلمة في التاريخ السري لإسبانيا، حيث محاكم التفتيش بكل قسوتها، والتي تغيب عنها قيم القانون وتحري العدالة، ويكشف تلك المحاولات غير الإنسانية والمتمثلة في الإرادة القسرية للكاثوليك في تحويل المسلمين عن دينهم تحت مختلف أنواع الترهيب والتهديد.

محاكمةوعلى المنوال المناهض للظلم والوقائع المحرفة نفسه، يأتي كتاب «محاكم التفتيش.. تحقيق لثلاثة وعشرين ملفاً لقضايا ضد المسلمين في الأندلس»، وهو مرجع ضخم يقع في جزأين، ويتناول قضية وتاريخ المسلمين في الأندلس، ويبرز الكتاب للقراء وقائع المحاكم السرية التي كانت تمارس الإعدام والحرق، والكثير من الممارسات السيئة تجاه المسلمين، وفي الكتاب، يلفت سموه الانتباه لمسألة مهمة، تكسب الكتاب أهمية جديدة، وذلك عندما ذكر أن الشعب الإسباني ربما لا يعلم شيئاً عن تلك الجرائم، حيث إن المخطوطات التي تحمل في طياتها التاريخ المأساوي، ظلت محفوظة في سرية، وهذا الحديث يؤكد فظاعة تلك الجرائم، فبقاء المخطوطات والوثائق في السر، يشير إلى الرغبة المؤكدة في إخفاء الجرم والتستر عليه، لكن عبر البحث المنهجي الدؤوب استطاع سموه الحصول على أكثر من 23 مخطوطة في صورة ملفات محاكمات، ليقوم بإشباعها بحثاً وتحقيقاً، وهذا الجهد الكبير منح الكتاب مصداقية، فهو من المؤلفات النادرة التي استعانت على تحريف التاريخ بالوقائع والمستندات المؤكدة والموثقة.

حفر في الماضي

تتميز كل المؤلفات التي تتناول التاريخ عند صاحب السمو حاكم الشارقة بالصرامة والدقة، وهذا ما تشهد به كتاباته المتعددة التي تحفر في الماضي، ومثالاً على ذلك مؤلفات مثل: «تحت راية الاحتلال»، و«رحلة بالغة الأهمية»، و«صراع القوى والتجارة في الخليج 1620-1820م»، و«زنوبيا ملكة تدمر»، و«مراسلات سلاطين زنجبار»، و«القواسم والعدوان البريطاني (1797 -1820)»، و«تقسيم الإمبراطورية العمانية»، و«الاحتلال البريطاني لعدن»، و«العلاقات العمانية الفرنسية 1715 1905»، و«صراع القوى والتجارة في الخليج (1620 1820)»، و«بيان الكويت سيرة حياة الشيخ مبارك الصباح»، و«نشأة الحركة الكشفية في الشارقة»، و«محطة الشارقة الجوية بين الشرق والغرب»، و«اقتصاد إمارات الساحل في القرن التاسع عشر»، و«تنظيم وتأسيس قوة شرطة الشارقة»، و«الوثائق العربية العمانية في مراكز الأرشيف الفرنسية»، و«جون مالكولم والقاعدة التجارية البريطانية في الخليج 1800»، و«يوميات ديفيد سيتون في الخليج 1800 1809»، و«رسالة زعماء الصومال إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي 1837»، و«الخليج في الخرائط التاريخية»، و«وصف قلعة مسقط وقلاع أخرى على ساحل خليج عمان»، و«مراسلات سلاطين زنجبار». ولعل الدرس المستفاد من كل تلك التحف التاريخية، هي أن التاريخ لا يكتب بالأهواء ولا القوة.


الكتابة التاريخية

إن الكتابة التاريخية عند صاحب السمو حاكم الشارقة، تحفر عميقاً في الماضي، وترصد الوقائع التي أغفلها الرواة، وتجدر الإشارة هنا إلى واحد من المؤلفات الهامة في هذا السياق، وهو كتاب «نظم الفوائد في سيرة ابن ماجد»، وهو المنجز الذي يستكمل فيه سموه جهده البحثي في تصحيح التاريخ العربي والإسلامي، خاصة في ما يتعلق بسيرة البحار العربي أحمد بن ماجد›

وفي هذا المؤلف يكشف سموه عن حقيقة تاريخية ظلت غائبة، عندما نفى الفرضية التي تقول إن أحمد بن ماجد هو الذي أوصل فاسكو ديجاما إلى الهند، حيث بيّن سموه أن ابن ماجد في تلك الفترة كان قد كبر وأقعده المرض.

مساحة للشعر

وجد الشعر مكانة كبيرة ضمن اهتمامات صاحب السمو حاكم الشارقة، عبر عدد من المؤلفات التي يوثق فيها ويؤرخ لقصائد الشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي، كما أن نشرها ضمن هذه السلسلة، ينصف في جانب منها تلك التجربة الشعرية الثرية، ويعيد تسليط الضوء على إنتاجه الشعري الذي كان غائباً عن كثير من المهتمين بتاريخ الشعر في الإمارات، ومن هذه الأعمال هناك كتاب «الطِّيبُ في التّشْبيب في قصائد الشيخ سلطان بن صقر القاسمي» ويحقق الكتاب في ثماني قصائد للمرحوم الأديب الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، وهناك كتاب «مساجلات شعرية بين الشيخ سلطان بن صقر القاسمي وصديقه الشيخ محمد بن عبد العزيز الصديقي»، وكذلك هناك كتاب «القصائد الحكيمة بين الأسى والشكيمة»، وكتاب «نشيج الوداع القصائد الأخيرة للشيخ سلطان بن صقر القاسمي».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"