شتاءان إماراتيان

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

للشتاء في دولة الإمارات هواية خاصة، وهوية متوارثة جيلاً بعد جيل؛ منذ ما قبل جيل الستينات الذي أنتمي إليه، وحتى الجيل البشري الحالي، وللشتاء في دولة الإمارات حكايات وحياكات؛ فأذكر إذ أذكر، أنّ والدِي، رحمه الله، بيديه النبيلتين وبسواعد أبنائه المخلصين، بنى مخزناً في بيتنا الصيفي الكائن في «البطح» بمنطقة «ضاية» (مقيظ «مصيف» أهالي «الرمس»)، فكان ذلك المخزن غرفة مبنية من الطين والحجارة ومسقوفاً ب«الفرتة» المصنوعة من جريد النخيل المتراص جنباً إلى جنب بفضل الحبال المصنوعة من ليف النخل، موضوعاً على خشب «الجندل» المستطيل، أو الخشب الدائري المقوّى، وسطحه محمي ب«الفَدِرْ: المَدَرْ» لمنع المياه من التسرب إلى الداخل، وكان المخزن لحفظ أدوات المعيشة، وللجوء إليه في حالات الضرورة، من ذلك حالات الأمطار والبرودة الفجائية.
وأذكر، أنّ في إحدى الليالي سقطت الأمطار بغزارة شديدة، وحيث إن معظم بيوت «ضاية» كانت عبارة عن «عرشان» -مفردها «عريش»- مصنوعة من جريد النخيل، فإنها معرّضة لهجمة الأمطار بكل يسر وسهولة؛ لذلك، لجأت نسوة الجيران وأولادهن إلى مخزننا اتقاء للمطر الذي داهمنا من دون سابق إنذار.
 وفي مناسبة كهذه، أذكر أن الناس في حياة الأمس كانوا في حال سقوط الأمطار، يلجأون إلى بيوتهم اتقاء للخطر المحتمل من غزارة الماء، ما يؤدي إلى هدم البيوت وإتلاف الأشياء، وما قد يتعرض له الأهالي في أرواحهم وممتلكاتهم وبهائمهم. في تلك الأيام الخوالي، كان الناس يحتمون ببيوتهم ولا يغادرونها إلا للضرورة القصوى، وللحاجات الضرورية؛ فيما الناس في أيامنا هذه يرتقبون سقوط الأمطار حتى يذهبون بكامل إرادتهم وشغفهم بمتعة الحياة إلى أماكن سقوطها في أي مكان كان في الخريطة الجغرافية الإماراتية؛ مهما كانت قوة الأمطار، ومهما كانت سرعة الرياح، ومهما كانت أماكن سقوطها، على الجبال، أم في الصحارى، أم عند شواطئ البحار.
هكذا كان إنسان الإمارات فيما سبق من حياة يتعامل مع الأمطار، وهكذا يتعامل إنسان اليوم مع الأمطار بكل شغف واندفاعية؛ وهنا نؤكد أن الاستمتاع بجماليات الشتاء ومكوناته المريحة للنفس، لابد أن يصاحبه الحذر وواجب الابتعاد عن احتمالات التعرض للعواقب الوخيمة جرّاء الانسياق وراء الرغبة في التمتع بجريان السيول والأودية، وما قد تتسبب به البحار من ارتفاع الأمواج الناجمة عن سرعة الرياح وقوتها في فيضانات مؤذية للبيوت وأصحابها، أو جرّ الأطفال وغير المجيدين للسباحة إلى دوامات المؤدية للغرق والوفاة.
نعم، كل جيل يعيش وفق ظروف ومكونات الزمن الذي هو فيه، وكل جيل يمارس هواياته وفق الإمكانات المتاحة له، ومن حقه الاستمتاع بجماليات الحياة ومقوماتها، إلا أنّ هذا لا يعني الاستماع إلى صوت القلب من دون الاحتكام إلى رأي العقل الذي يوجب علينا عدم الانسياق وراء أهوائنا بما يرمي بأنفسنا إلى التهلكة وسوء العاقبة.

[email protected]

عن الكاتب

أديب وكاتب وإعلامي إماراتي، مهتم بالنقد الأدبي. يحمل درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال، من جامعة بيروت العربية. وهو عضو في اتحاد كُتّاب وأدباء الإمارات، وعضو في مسرح رأس الخيمة الوطني. له عدة إصدارات في الشعر والقصة والمقال والدراسات وأدب التراجم

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"