معادلة سلطان الصعبة

02:12 صباحا
قراءة 4 دقائق

عندما تكون بحضرته تنتابك مشاعر عدة تجمع بين الطمأنينة والتفاؤل، يمنحك كلامه معرفة وحكمة وخلاصة خبرة وعمر بين أوراق الكتب ودروب الحكم، مع ابتسامته البشوشة والواثقة بالمستقبل، تشعر بأن العالم سيعمّه السلام لو سادت ثقافة القراءة ومحبة الفنون بين البشر، نظرته الحانية ونبرة صوته الهادئة القريبة من النفس تداعب قلبك بالخير.
عندما تجلس لتحاور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، فأنت لست في حضرة حاكم فقط، لتؤهل نفسك وعقلك لحديث في شؤون الحكم بمختلف قضاياه التي تهم الناس، ولكنك على موعد مع كلام مثقف من الوزن الثقيل أيضاً، يخاطب عقلك بسلاسة وبساطة وعمق، مثقف صاحب رؤية وهدف وتوجّه، تشغله على الدوام، مسائل التاريخ وإشكاليات الفكر وقضايا اللغة، ووضع الكتاب بين أيدي جميع البشر والنهوض بأمته.
مثقف جاد وملتزم، يتنفس الثقافة ويعشق المسرح، ويسعى إلى نشر الجمال عبر مختلف الفنون. عمل بدأب وجهد على مدار عقود طويلة على أن يجعل من الثقافة زاداً لنا جميعاً، ودعمها بكل السبل، إيماناً بدورها المركزي في الارتقاء بالإنسان.. هنا ينتابك الفرح، ويملؤك الفخر بما حققته الشارقة من إنجازات متتالية: عاصمة للثقافة العربية وعاصمة عالمية للكتاب، وتقتحمك أسئلة الزمن الصعب الذي يفرضه الراهن، فالثقافة العربية ليست بصحة وعافية، والثقافة في العالم كله عرضة لتحولات بنيوية بسبب متلازمة مواقع التواصل، ولكن ما يمنحك العزاء هو أننا هنا في الشارقة نتحصن بالثقافة، أما ما يهبك قبساً من تفاؤل فيتمثل في رعاية سلطان الدائمة لكل ثقافة جادة وكل صاحب فكر مستنير.
تحول سلطان بكتاباته وأحاديثه وإنجازاته إلى معادلة ثقافية صعبة، إلى «نموذج ثقافي»، بكل ما يختزنه التعبير من دلالات ومعانٍ، على الآخرين الاقتداء به، والعمل بتناغم من أجل تحقيق رؤيته، وعلى الجميع مراجعة أنفسهم في ما يتعلق بإنتاج ونشر وترويج الثقافة الرفيعة.
لم تمنعه شؤون الحكم من مشروعه الكتابي في التاريخ والسيرة والمسرح والرواية، وكثيراً ما نراه يفتتح معرض الكتاب في يوم وفي اليوم التالي يطلق أحد المهرجانات الثقافية، وفي مساء اليوم الثالث يتحدث في هذه المحاضرة، وفي اليوم الرابع يجلس بين الجمهور ليسأل المحاضر ويناقشه في أدق ما يقوله، وفي اليوم الخامس ربما تشاهده في معرض باريس أو برلين للكتاب، داعماً للوجه الأجمل لنحن العرب في مختلف أرجاء العالم.
حاكم يتابع كل المشروعات الثقافية في مختلف أرجاء العالم العربي ويشجعها ويدعمها مادياً، ويهتم بأحوال المثقفين الأدبية واليومية ليعيشوا بكرامة.. نشاط لا يهدأ وفعل يطابق القول.. نموذج يمثل تحدياً للساحة الثقافية العربية بأكملها، ولكنه تحدّ مثمر وبنّاء وخلّاق، فنحن أمام رجل يعيش مع الثقافة ومن أجل الثقافة.
الثقافة الرفيعة مع سلطان ليست الكتاب والمسرح وبيوت الشعر وحسب، ولكن للتعليم مكانة مركزية، فهو رافعة الثقافة، ومن دونه تختل معادلة الثقافة نفسها، من هنا حرص سلطان على متابعة الحركة التعليمية بنفسه وبصورة دورية ومستمرة، ووصلت جهوده بالجامعات في الشارقة إلى مستويات مرموقة بين جامعات العالم.
ولا يمكن للثقافة أن تثمر أو يحقق التعليم الهدف المرجوّ منه إلا بأسرة معدة جيداً، من هنا جاء حديث سلطان الأبوي الدائم لجميع أبنائه وبناته، ودعواته الدائمة لترسيخ الحب وقيم التعاون والتكافل بين أفراد الأسرة الواحدة؛ بل وقراراته المتتالية في ما يخص تحسين رواتب العاملين والمتقاعدين، هنا تقترب معادلة سلطان من الاكتمال وتزداد صعوبتها وقدرتها على التحدي، لنكتشف أن الإنسان هو حجر الزاوية في تلك المعادلة، فلا حياة كريمة من دون أساس تعليمي وبناء ثقافي ودعم مادي.
وعندما تسير في شوارع الشارقة لا يمكنك إلا أن تفكر في هذه المعادلة، فالعمارة تتكامل مع الثقافة.. فشكل المساجد ومباني الدوائر الحكومية والنصب المختلفة، كل هذا سيخبرك بأن مكونات المعادلة ترتكز على روح واحدة توازن بين الفكر والمادة ومفردات المكان.
على خطى تلك المعادلة وإيماناً بمكوناتها الثرية، نشعر بالفرح مع جهود وأنشطة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي التي تتمثل في مد يد العون لكل إنسان، والاهتمام بكل ما من شأنه الارتقاء بالأسرة والطفل. كانت سموها دوماً رفيقة درب سلطان في الحياة وفي الإيمان بأننا يمكن أن نرسم ابتسامة على وجوه جميع البشر، عبر إيماننا بهم عندما يقترن هذا الإيمان بالعمل المخلص والدؤوب. 
يكبر الفرح ونحن نتابع البذور وقد أينعت ثماراً جديدة تواصل المسيرة، فالشيخة بدور ببساطتها وشغفها بالكتاب أصبحت قيمة مضافة لمعادلة سلطان وللثقافة العربية ولدور المرأة بصفة عامة. أما الشيخة حور فرعايتها المستمرة للفنون تؤكد أن المعادلة لن تكتمل إلا بلمسة جمال تغذي البصر وتلهم الوجدان.
سلطان القاسمي ليس نموذجاً ناجحاً للمثقف العربي أو للحاكم المشغول دوماً بالإنسان، فحسب؛ بل هو صاحب معادلة فارقة في العمران أيضاً، بالمعنى الخلدوني. علينا ونحن نحتفل بمرور خمسين عاماً على توليه الحكم في الشارقة أن نشكره أولاً، وأن نحاول استلهام تجربته ومواصلتها، هنا تكتمل المعادلة لتستطيع الأجيال المقبلة تمثلها والاستمتاع بها.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"