الاشتراكية التي تناسبنا

00:38 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. علي محمد فخرو

بيّنا في مقال الأسبوع الماضي أن العالم يموج بكتابات ومراجعات حادة نقدية للنظام الرأسمالي الليبرالي الكلاسيكي وللنظام الرأسمالي النيوليبرالي العولمي المهيمن على ساحة الاقتصاد الدولية ولتجربة النظام الاشتراكي الماركسي القصيرة. وبيّنا أننا، نحن العرب، إذ نقوم بمراجعة للأيديولوجيا القومية العروبية، كما هو الحال بالنسبة للمشروع النهضوي العربي المقترح من قبل مركز دراسات الوحدة العربية والمؤتمر القومي العربي، نحتاج أن نسمي بصورة واضحة النظام الاقتصادي الذي يصلح لمجتمعاتنا العربية، آخذين بعين الاعتبار إرثنا التاريخي وثقافتنا، وتجارب بعض الأقطار العربية إبّان العقود الماضية، وتجارب بعض دول العالم الثالث في بناء اقتصاد وطني غير خاضع لإملاءات القوى العولمية الرأسمالية.
 تدل مراجعتنا لأدبيات الموضوع بأن هناك أسباباً موجبة وتجارب مريرة مع النظام الرأسمالي تستدعي تجربة نظام اشتراكي تشاركي ديمقراطي، يختلف جذرياً عن النظامين الرأسماليين المشار إليهما سابقاً من جهة وعن النظام الاشتراكي الماركسي بكل تلاوينه ومسمياته، وعلى الأخص تطبيقاته ومنطلقاته النظرية في الاتحاد السوفييتي السابق، من جهة أخرى.
 وما عادت كلمة الاشتراكية تعتبر جزءاً من إرث مات وانتهى، ولا أنها تدل بالضرورة على ثورية متطرفة، وإنما أن تكون مدخلاً لنظام اقتصادي متوازن إنساني جديد ينقل العالم من فكر ونظام اقتصادي بتلاوين متعددة جرّبه العالم عبر أربعة قرون فعانى الويلات من نقاط ضعفه وأزماته الكثيرة.
 أمامنا، نحن العرب، تجارب حديثة ومقترحات فكرية معقولة ومتوازنة للاختيار الكلي أو الجزئي.
* أولاً: هناك تجربة الديمقراطية الاشتراكية أو الديمقراطية الاجتماعية، المطبقة على الأخص في دول الشمال الأوروبي، ولذا تعرف بالنموذج الإسكندنافي أو النوردي. إنها تجربة تقوم على أيديولوجيا سياسية تدعو إلى تدخل اقتصادي واجتماعي من قبل الحكومة لترسيخ العدالة الاجتماعية ضمن إطار النظام الرأسمالي، ولصناعة سياسات للدفع باتجاه دولة الرفاه، وبإعادة توزيع الثروات والمداخيل، وتلتزم بالديمقراطية التمثيلية. وبالتالي فإنها تبني الاقتصاد المختلط واقتصاد السوق الاجتماعي.
* ثانياً: هناك تجربة الاشتراكية الديمقراطية، التي أخذت بها العديد من دول أمريكا الجنوبية على الأخص وتطبق أيضاً في نموذج الشمال الأوروبي. وهي نظام اقتصادي يتسم بالملكية الجماعية والإدارة التعاونية للاقتصاد. وإذن هي حركة سياسية تأخذ بإصلاح الرأسمالية ليكون هذا الإصلاح مدخلاً للاشتراكية في النهاية. ويعتبر من أشهر الأعلام الذين نادوا بهذا النظام كتاب من مثل جورج أورويل وبرتراند رسل وقادة من مثل سلفادور أليندي.
* ثالثاً: أمامنا تجربة ما يعرف بالتعاونيات التشاركية القائمة على ملكية وإدارة مشاريع اقتصادية صناعية إنتاجية، أو مشاريع اقتصادية خدمية، من قبل القوى العاملة في تلك المنشآت. فرأس المال مقترض من قبل وباسمهم، وتعيين كبار الإداريين يتم من قبل العمال، واستعمال فوائض الأرباح وتوزيعها يقوم به أصحاب رأس المال، أي العمال. وبالتالي فهي تجارب اشتراكية بمسميات عصرية.
 مثل هكذا تجارب موجودة الآن في بلدان أوروبية من مثل إيطاليا وإسبانيا، وفي بعض الولايات الأمريكية، وفي بلدان آسيوية. وهي تجارب ناجحة وتزداد عدداً وتأثيراً.
* رابعاً: هناك مبادرات فكرية من قبل مفكرين وجهات تنظيمية عربية بشأن، نظام اقتصادي عربي مستقبلي تحت شعار «اشتراكية عربية جديدة» أو شعارات أخرى مقاربة. ولأهمية تلك المبادرات وذاتيتها العربية سنتحدث لاحقاً عن أسسها الفكرية والتنظيمية.
 المهم من وراء كل ما ذكرناه أن كلمة وشعار الاشتراكية أصبح هنا، معنا ومع العالم، وأن واجب الأيديولوجيا القومية العروبية أن تأخذ علماً بذلك، من دون غمغمة أو دوران حول موضوع النظام الاقتصادي العربي المطلوب إنسانياً وعدلاً وكفاءة.
[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"