عادي

واشنطن لا تسمع دويّ «انفجارات بيونج يانج»

22:20 مساء
قراءة 4 دقائق
syasi111

كتب - المحرر السياسي:

استمرأت كوريا الشمالية التهديد بإطلاق الصواريخ الباليستية بوتيرة أسرع من سابقاتها من جهة، وبإصرار على استمرار عمليات الإطلاق، وسط حالة من القلق المتصاعد في المواجهات بين الولايات المتحدة وخصومها على أكثر من جبهة، وكلها تزداد سخونة، بينما يقترب الوضع في أوكرانيا من حافة الانفجار.

بينما تشغل أصوات انفجارات الصواريخ المحللين في البحث عن الدوافع والأهداف التي تحمل بيونج يانج على ركوب هذه الموجة، يتسرب اليأس إلى نفوس صناع القرار في كوريا من فقدان هذا النوع من المناورات فاعليته في تهديد الأمريكيين، أو ابتزازهم سياسياً، بالحصول على تنازلات أقلها رفع العقوبات، كلياً أو جزئياً، لفقدان واشنطن الثقة بوعود بيونج يانج السابقة، وانشغالها ربما بما هو أكثر إلحاحاً في الوقت الراهن، على الأقل.

وكررت كوريا الشمالية مؤخراً، إطلاق الصواريخ التي شملت صواريخ تفوق سرعة الصوت، بدعوى تطوير تكنولوجيا أسلحتها، لكنها في الوقت نفسه محاولة للَفت انتباه الولايات المتحدة، ونقل الرسائل السياسية، ودفع استئناف المحادثات بين البلدين، يغريها نجاح استراتيجية التصعيد هذه في الماضي، على ما يبدو.

لكن بات من شبه المؤكد أن إحجام واشنطن عن التفاوض مع بيونج يانج لا يرجع إلى مدى تطور تقنيات الأسلحة النووية الكورية، بل يتعلق بمصداقية بيونج يانج المعدومة كما ترى واشنطن عندما يتعلق الأمر بدعم الاتفاقات ذات الصلة. عدا عن أن التفاوض مع كوريا الشمالية سيفرض عبئاً سياسياً ثقيلاً على إدارة بايدن.

النووي الكوري الشمالي

ومعلوم أن كوريا الشمالية سعت سراً لتخصيب اليورانيوم أثناء تلقيها مساعدات في مجال الطاقة بعد التوقيع على إطار العمل المتفق عليه عام 1994. وعلى الرغم من التوقيع على البيان المشترك في 19 سبتمبر/ أيلول 2005 أثناء المحادثات السداسية، فقد أجرت أول تجربة نووية لها في العام التالي، واستمرت في السعي سراً لتخصيب اليورانيوم. وبعد التوقيع على ما يسمى «الصفقة الطفرة» في عام 2012، والتي وافقت فيها كوريا الشمالية على تنفيذ وقف اختياري لإطلاق الصواريخ بعيدة المدى، والتجارب النووية، والأنشطة النووية في يونج بيون، بما في ذلك أنشطة تخصيب اليورانيوم، أجرت بيونج يانج تجربتها النووية الثالثة في فبراير/ شباط 2013.

وقد فرض هذا التصور السلبي عبئاً سياسياً على فريق التفاوض الأمريكي، ما منعه من تقديم تعويض مناسب. على سبيل المثال، لم يتمكن كريستوفر هيل، كبير المفاوضين الأمريكيين خلال المحادثات السداسية، وبسبب هذا الانطباع السلبي، من تضمين شروط الاتفاق، أحكاماً تتعلق بمشروع مفاعل الماء الخفيف الذي كانت كوريا الشمالية تتوق إليه، في البيان المشترك الصادر في 19 سبتمبر/ ايلول 2005. إضافة إلى ذلك، وفقاً لمذكرات مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، خلال قمة هانوي عام 2019، لم يتمكن الرئيس دونالد ترامب من قبول اقتراح صفقة كيم جونج أون بسبب مخاوف من نكوث كوريا الشمالية مرة أخرى.

على هذه الخلفية تزداد فرص التفاوض تعقيداً. وحتى لو تمكنت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية من العودة إلى طاولة المفاوضات مجدداً، فسيكون من الصعب على بيونج يانج الحصول على نتائج مرضية.

وقد بلغت العلاقة بين الجانبين حداً من التأزم نتيجة لعدد من العوامل الداخلية في كل من البلدين، والخارجية التي تمليها التطورات على المسرح العالمي، وسط تعزيز عمليات الاستقطاب السياسي وانبعاث سياسة المحاور من جديد.

ويرجّح المراقبون أن تستمر الأزمة إلى أن تقتنع بيونج يانج أنها لم تعد قادرة على تحمل العقوبات المفروضة، أو تستنتج واشنطن أنه يجب رفع العقوبات واستئناف الحوار لأن القدرات النووية لكوريا الشمالية تتقدم بسرعة كبيرة، ومن دون قيود.

تصعيد كوري شمالي

ولن تتعامل كوريا الشمالية مع الولايات المتحدة دبلوماسياً ما لم تقدم الولايات المتحدة تنازلات كبيرة قد لا يكون في وسع أي إدارة أمريكية القبول بها.

وبما أن كوريا الشمالية اعتمدت سابقاً استراتيجية تصعيد الأزمة لتحويل اهتمام واشنطن وخلق فرصة لإجراء محادثات ثنائية، ونظراً لأن بيونج يانج لعبت هذه الورقة في عام 2017، فإن الإمعان في فرض استراتيجية تصعيد الأزمة، بما في ذلك إطلاق الصواريخ قصيرة المدى مؤخراً، وإمكانية إطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات، سيؤدي إلى رد فعل عنيف من إدارة بايدن. ومثل هذا السيناريو لن يؤثر في الولايات المتحدة بالدرجة نفسها التي يؤثر بها في كوريا الشمالية.

ولعل هذا ما يفسر النبرة الحادة التي يتحدث بها الأمريكيون حالياً. فقد أكد السيناتور الأمريكي بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ضرورة فرض عقوبات إضافية على كوريا الشمالية، مشيراً إلى أن اختبارات الصواريخ الأخيرة تعد انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

كما طالب روسيا والصين بأن تتعاملا مع تصرفات كوريا الشمالية، ليس على أنها تهديد للغرب فقط، ولكن كتهديد لأمنهما.

من هنا، لا يبدو أن تكرار بيونج يانج أساليبها التقليدية سوف يسعفها في تحويل انتباه واشنطن، أو تزويد الولايات المتحدة بالحوافز الكافية للعودة إلى طاولة المفاوضات، كما أنه لن يجدي في تحقيق التقدم المطلوب في ما يتعلق بنزع السلاح النووي، لتبرير تخفيف العقوبات.

ولا بد أن تستمر قيادة كوريا الشمالية في تطوير برامج أسلحتها لكنها لن تستخدمها ضد الولايات المتحدة أو حلفائها، لأن ذلك يؤثر سلباً في بقائها في السلطة، حيث أصبح برنامجها النووي جزءاً أساسياً من شرعية النظام وهوية كوريا الشمالية.

وبقي الرهان على انتخاب رئيس جديد في كوريا الجنوبية، ربما يدعو إلى الحوار أو يصاب بخيبة أمل من تمرد كوريا الشمالية، وفي الحالتين لا تلوح في الأفق بارقة أمل في أن ينجح هذا الرئيس الجديد في توحيد شبه الجزيرة وابتكار حل سحري للأزمة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"