ليس حلاً

00:35 صباحا
قراءة دقيقتين

كانت هناك مدينة يقصدها الكثير من سكان المدن المجاورة بهدف نيل وظيفة شاغرة في المصنع الوحيد داخل ربوعها، والذي يتيح الفرصة أمام الجميع.
كان المصنع سبباً جوهرياً في ازدهار المدينة، خصوصاً أن القادمين إليها لم تكن لديهم مساكن يبيتون فيها برفقة أسرهم، فكانوا يضطرون إلى استئجار العقارات التي ازدادت بازدياد أعداد الوافدين للعمل في ذاك المصنع الكبير.
ونتيجة لكل ذلك، أصبحت تلك المدينة تنعم باقتصاد متين، فافتتحت المدارس والمستشفيات ومراكز التسوق، وأنشأت وسائل النقل العامة والخاصة إلى أن جاء رئيس تنفيذي جديد ضيق الأفق، لكنه يدعي امتلاكه لأفكار مبتكرة واستراتيجيات حديثة من شأنها زيادة الأرباح، بينما كان همه الأول والأخير هو تلميع صورته أمام مجلس الإدارة، ما دفعه إلى تقليص عدد العاملين في المصنع بحجة توفير مبالغ كبيرة كانت تصرف هدراً في عهد من سبقوه.
كان المصنع يضم أكثر من ١٠ آلاف موظف، تم تسريح ٥٠٪؜ منهم، بعدما وافق مجلس الإدارة على مقترح الرئيس التنفيذي الذي أقنعهم بأن المصنع يمكنه العمل بنصف عدد الموظفين، وبنفس الجودة والإنتاجية الحالية. لكن الحقيقة أنه لم يدرك ما سيسببه هذا القرار من أضرار باقتصاد المدينة.
فلو فرضنا أن لكل عامل تم تسريحه عائلة تتألف من زوجة وولدين، فهذا يعني أن مجموع أفراد أسر من تم تسريحهم هو عشرون ألف فرد، يسكنون في خمسة آلاف مسكن، تستفيد منهم المدارس والمستشفيات، ومراكز التسوق والبقالات، وهيئات الماء والكهرباء ومحطات الوقود، وشركات الاتصالات ووسائل النقل العام، وغيرها من الجهات التي تنتفع من وجودهم في المدينة كقوة شرائية.
لهذا كله، فإن قرار التسريح بحجة توفير المصاريف، سيتسبب دون أدنى شك في خسارة جسيمة من شأنها خلق تداعيات اقتصادية تطال المدينة بأسرها، ويصعب من بعدها التعافي إلا بعد فترة طويلة تتخللها قرارات جديدة مختلفة.
كم من مسؤول في عالمنا اليوم، يحمل مثل هذا الفكر دون أي حساب لنتائج قراراته. واليوم مثل هكذا قرارات مصيرية لا بد أن تُعرض على مستشارين وجهات أعلى مسؤولة عن الاقتصاد لأخذ الموافقة عليها، بعد دراسة أسبابها بعناية.
وعليه، إذا كانت المنشأة مقبلة على خسارة محتملة، أو تحتاج دعماً لاستمرار عملها، يتم دعمها دون الحاجة إلى اتخاذ قرار التسريح. إما إذا كانت مثل هذه القرارات صادرة عن رئيس تنفيذي جديد لا هم له سوى تحسين صورته، فيتم رفضها فوراً، والأخذ بأهمية النظرة الشمولية للاقتصاد والحفاظ عليه ودعمه بكافة السبل الممكنة وليس الحكم من خلال أنانية شخصية.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"