تجليات الرحمة

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

كنت أقف في دوري، في إحدى الكافيات، بعد أن أودعت أختي غرفة العلاج بالمستشفى، كان الوقت صباحاً والشوق لكوب القهوة يتغلغل في داخلي، انسحبت من الطابور، لأنتظر طلبي ولم يكن بعدي أحد، لمحت بعد ثوان شخصاً مسناً، من جنسية غير عربية، كان مرتب الهندام، نظيفاً، يشبه الأجداد في شكله، يحاول أن يتحدث للعاملة خلف جهاز «الكاشير» يقول لها «شاي»، قالت له في البداية: «لا يوجد لدينا شاي»، لربما لم تفهم كلامه، كنت أتابع الموقف، متسائلة هل أتدخل، مر بجانبي شاب مواطن كان يعبث بهاتفه، اقترب ليطلب «قهوته»، ومن ثم التفت للشخص المسن، سأله ماذا يريد، أدرك حيرته وتردده، بادر العاملة أيضاً أضيفي كوب شاي (black tea)، والتفت إليه يتحدث معه، والغريب أنه نسي الهاتف الذي بين يديه، منشغلاً باحترام ذلك الرجل الكبير في العمر، وتجلت الرحمة بأن عامله كأب أو كجد، غادرتهما وهما يتحدثان، وفي داخلي ابتسامة فرح كيف أننا بخير، وأن الرحمة لا تزال تتجلى في قلوبنا.
الرحمة.. أن ندرك وجود الآخرين حولنا، وألا نسمح للحياة المُتخمة بالإلكترونيات بأن تمنعنا من التطلع حولنا؛ أن نخاطب البشر في حاجاتهم، لربما لم تكن لذلك الرجل حاجة كبيرة، ولربما كان قادراً على الدفع، لكن لغة الحوار خانته، فأدركه قلب رحيم، كلنا نحتاج إلى من يلتفت إلينا ليس فقط مادياً؛ بل أحياناً عاطفياً، واجتماعياً، يتعمق في تفاصيل ما يجول في داخلنا، وما يعتلينا.
محزن ألا يكون بيننا ذلك التآلف الاجتماعي الذي كان في السابق، فما إن نجلس حتى نلهو بهواتفنا وأجهزتنا، فقدنا الرحمة بأنفسنا أولاً؛ لذا يجب أن نستمع إلى أنفسنا، وندرك احتياجاتها، كم من شخص منا اليوم يلتفت لعامل التنظيف وهو خارج فيعطيه من فطور بيته من وجبة الغداء التي تزيد على حاجته وتُرحل للمخلفات؟ كم منا من يعطي عامل التوصيل حقيبة مملوءة بالماء وبعض الأشياء التي تفيض في بيوتنا.. الرحمة في تفاصيل صغيرة قد تغيّر حياتنا، فأنت تسعد نفسك بإسعاد هذا الفقير، المحتاج، هو محتاج لكنك أيضاً محتاج إلى ظل رحمة الله.
في إحدى السفرات الطويلة، بعد رحلة «ترانزيت» مرهقة ومؤجلة، وبعد ساعات من التذمر، أدركت حين وصلت إلى المطار الآخر في دولة أخرى، أن التأخير كان لسبب؛ حيث قابلت امرأة عربية كبيرة بالسن تبكي، وحين سمعت لهجتي أدركتها حالة الاستقرار، لم ألتفت لتأخري؛ بل تكلمت معها وحين تأكدت أنها بخير، بعد أن كنت حلقة الحوار بينها وبين مشرف شركة الطيران، أدركتني الطمأنينة والسعادة، وحان الوقت للركض في المطار، للوصول للبوابة، كنت أركض بفرح عارم، فهو الإدراك أن رحمة الله عظيمة، سخر لها الكون ومن فيه بكل معطياته حتى تستقر حالها في بلد الغربة وهي بلا معين أو رفيق.
لتتجلى فيكم روح الرحمة والحب والتسامح والإدراك، ولتكن كل حياتكم، في رحمة وامتنان.

[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"