متورطون في الإرهاب

اقتلاع «الإسلاموفوبيا» بتوفير الأمان للمسلمين المهمشين
21:50 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
3
3

عن المؤلف

الصورة
3
سهيمة منظور خان
* سهيمة منظور خان شاعرة وكاتبة بريطانية متخرجة من جامعة كامبريدج.
* تركز في مقالاتها وأبحاثها على قضايا العنصرية والعنف والعرق، وتنشر بشكل مستمر في أهم الصحف والمواقع الإلكترونية الصادرة في بريطانيا.

يبدو أن «الإسلاموفوبيا» تنتشر في كل مكان، وتتواجد بعمق في الحياة اليومية الغربية، ويتضرر منها الناس الأكثر ضعفاً عادة. ترى المؤلفة سهيمة منظور خان كيف أن «لإسلاموفوبيا» تزداد قوة بسبب سياسات دولية تسعى إلى تحقيق فوائد مادية لفئة محددة من أصحاب المصلحة باسم الأمن، وتطالب بإعادة النظر تماماً في التعامل مع القضايا التي يغلب عليها الصور النمطية، وتخلف انقسامات وإشكالات حقيقية في المجتمعات.

يؤكد هذا الكتاب منذ البداية أنه ما لم يتم توفير الأمان للمسلمين الأكثر تهميشاً، فلا أحد في مأمن. فالسياسات العنصرية التي تطال الكثير من المسلمين بشكل مباشر أو من هم من خلفيات مسلمة بسب جرائم تنظيمات إرهابية تؤثر على حياة الأبرياء بشكل مرعب في عدد من دول العالم الحر، على رأسها المملكة المتحدة.

 تقول المؤلفة: «إن الروايات التي تدور حول الإسلاموفوبيا تعدّ تحيزاً غير منصف ضد المسلمين، وهي موجودة بسبب الضجة الإعلامية اليمينية، وصعود اليمين المتطرف، والناخبين المؤيدين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فخطابهم يؤدي إلى اعتداءات بغيضة لفظية وجسدية على المسلمين. لذلك، فإن مواجهة الإسلاموفوبيا تأتي من فرض المزيد من التبعات القانونية للتعامل مع «جرائم الكراهية» المعادية للإسلام، وتمثيل أكثر إيجابية للمسلمين في وسائل الإعلام، والمزيد من العمل لتحدي الصور النمطية، ووضع المزيد من المسلمين في مواقع صنع القرار. نتيجة لذلك، هناك نقاشات مستمرة حول تعريف الإسلاموفوبيا وإجراء تحقيقات حول وجودها داخل الأحزاب السياسية والبرلمانات. في هذه الرواية «كارهو الإسلام» هم أشخاص مثل دونالد ترامب، كاتي هوبكنز، تومي روبنسون، نايجل فاراج، وإلى حد ما بوريس جونسون. لكن هذه النسخة من الإسلاموفوبيا اختزالية. ليس لها تاريخ أو سياق».

 تضيف الكاتبة أن الإسلاموفوبيا غير موجودة بسبب عدم وجود قوانين ضدها، أو لعدم وجود نواب مسلمين. كما أنها لا توجد لأن الناس لا تعرف ما يكفي عن مساهمات المسلمين في العالم، أو لأن المسلمين لم يقضوا وقتاً كافياً في إثبات «ما يقوله الإسلام حقاً». لكن تستمر الإسلاموفوبيا بالرغم من كل هذه الأشياء، على وجه التحديد لأن مثل هذه الحلول تبقي الحديث عن الإسلاموفوبيا بعيداً عن معالجة أسبابها التاريخية والهيكلية الجذرية.

 إعادة معاينة الإسلاموفوبيا

 تقدم المؤلفة في هذا الكتاب (الصادر عن دار «بلوتو برس» البريطانية ضمن 192 صفحة، 2022)، صورة مختلفة تماماً عن الإسلاموفوبيا، تجدها حصيلة التاريخ الاستعماري للتسلسل الهرمي العنصري الأبيض والرأسمالية العالمية التي ولدت قصصاً وصوراً نمطية عن المسلمين، بوصفهم تهديدات وبرابرة وكارهين للنساء. وتقول حول ذلك: «تستخدم بعض الحكومات والصناعات في جميع أنحاء العالم هذه القصة اليوم لكسب الموافقة الشعبية على المشاريع التي تنتهك وتدمر حياة الناس، لأنه، باسم «الأمن» ضد «التهديد الإسلامي»، يوافق السكان الليبراليون على أنواع المعاملة اللاإنسانية وغير الليبرالية التي لن يقبلوها أبداً على أنفسهم، من الاجتياحات غير القانونية إلى السجن والترحيل إلى أجل غير مسمى، إلى الإهانات المرتبطة بالمراقبة اليومية وانتهاك الأرواح وتدمير الممتلكات. هذه المشاريع ليست عشوائية، فهي تتمتع بمزايا مالية وأيديولوجية لأولئك الذين يستفيدون من النظام العالمي الاستغلالي المتعمد. بعبارة أخرى، الإسلاموفوبيا ليست «العنصرية الجديدة»، ولم توجد منذ العصور القديمة. إنها إحدى استراتيجيات النظام العالمي الاستعماري الذي تم بناؤه على مدى 500 عام أو أكثر. وبعيداً عن كسرها أو إنهائها، فإن عملية الإسلاموفوبيا اليوم تثبت أن هذا النظام لا يزال يعمل. إنه يعمل من خلال عمليات الاحتلال الإمبريالي، وسرقة الموارد وتشريد الناس؛ إجراءات الشرطة القسرية والوحشية والاحتجاز، وتدابير المشاركة والهندسة الاجتماعية والرقابة الأيديولوجية. يجب أن نبتعد عن التفكير في الإسلاموفوبيا على أنه خلل أخلاقي فردي».

 وترى أن الإسلاموفوبيا ليست مشكلة للمسلمين وحدهم على الإطلاق، ولا يمكن معالجتها من جهتهم فقط، وهو ليس صراعاً منفرداً، بل يشكّل مشكلة حقيقية للعالم، تتعلق بكل أشكال العنصرية، وجميع أشكال القهر، وعنف الحدود، والشرطة، والحرب، والكوارث البيئية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي والظلم. لا تتعلق الإسلاموفوبيا بالمسلمين بقدر ما تتعلق بكل شيء آخر.

لا يهتم هذا الكتاب الذي يتوزع على تسعة فصول، بإثبات وجود الإسلاموفوبيا لأولئك الذين ليسوا مضطرين لمواجهة عنفه كل يوم، كما أنه غير مهتم بكيفية تعريف الإسلاموفوبيا على وجه التحديد. بدلاً من ذلك، يسأل هذا الكتاب عما تفعله الإسلاموفوبيا، وكيف أن فهم وظيفته أمر أساسي لمعرفة كيف يمكننا بناء عالم آمن لجميع الأشخاص المضطهدين والمستغلين والمهمشين، بدلاً من عالم «آمن» للدول القومية المتطرفة، والمصالح الرأسمالية الإمبريالية لتجميع الأرباح. تقول الكاتبة: «الطريقة الوحيدة التي يمكن بها اقتلاع الإسلاموفوبيا هي زرع بذور عالم آخر تماماً».

 العنصرية واللجوء والحروب

 ترى المؤلفة أنه في الوقت الذي نجد أن الإسلاموفوبيا لا تتعلق بالمسلمين، وبالتأكيد لا تتعلق ببريطانيا فقط، فمن المفيد التعرف على بعض مكونات السكان المسلمين. فغالباً ما تشير السجلات الرسمية والتمثيل الشعبي إلى أن المسلمين البريطانيين من أصول باكستانية وبنجلاديشية فقط، لكن مثل هذه التصورات تمحو نسبة كبيرة من المسلمين في بريطانيا ممن ينحدرون من أصول صومالية ونيجيرية وأفغانية وعراقية ومغربية وتركية وكاريبية، وكذلك من مجموعات تنحدر من خلفيات أخرى تشمل أعراقاً من مختلف قارات العالم.

 تشير المؤلفة إلى أنها من موقعها كبريطانية مسلمة تنحدر من أصل باكستاني يتركها منفتحة على النقاط العمياء، ولا سيما لمحو تقاطع مظاهر معاداة السود وكراهية الإسلام في وجه تفوق البيض الذي يعاني منه المسلمون السود على نحو أكثر. تقول: «لقد حاولت التصدي لمثل هذا المحو في صفحات الكتاب، لأننا لا نستطيع اقتلاع جذور الإسلاموفوبيا دون استئصال جميع مظاهر العنصرية. من المهم أن نضع هذا في الاعتبار بينما نمضي قدماً، وألا نغفل أننا نعمل من أجل بناء عالم آخر»، مضيفة: «نظراً لتفاقم جائحة «كورونا»، فإن العرق والفقر يؤثران بشكل مباشر على خطر تعرض الناس لاعتلال الصحة الجسدية والوفاة. وبالتالي، ليس من المستغرب أن يكون لدى المسلمين أعلى معدل للوفيات المرتبطة ب «كوفيد-19» مقارنة بالمجموعات الدينية وغير الدينية الأخرى في إنجلترا طوال العام الأول من الوباء.. لا يمكن أن يكون هناك صراع حقيقي لتغيير علاقات الاستغلال الاقتصادي ما لم يتم فهم تجارب المسلمين على أنها تشكلت هيكلياً من خلال التأثير العنصري المميز للعلاقات الرأسمالية كنتيجة للإسلاموفوبيا». وهذا موضوع تعود إليه الكاتبة طوال الكتاب.

 وتذكر الكاتبة أن المسلمين شكلوا حوالي 5٪ من سكان المملكة المتحدة في آخر تعداد سكاني، إلا أنهم يشكلون أكثر من 15٪ من نزلاء السجون، ويشكل المسلمون أيضاً 50٪ من المحتجزين في مراكز ترحيل المهاجرين في المملكة المتحدة، وهذا بمثابة تذكير بأن المسلمين قد نزحوا بشكل غير متناسب في جميع أنحاء العالم بسبب تأثيرات الإمبريالية في الماضي والحاضر، التي تدمر الحياة والاقتصادات والبيئات التي كانوا يعيشون فيها من خلال الحرب، وأيضاً بسبب نضوب الموارد. وتؤكد على أنه «لذلك يجب أن يكون لأي عمل يهدف إلى دعم اللاجئين أو معالجة تغير المناخ معرفة وثيقة بالإسلاموفوبيا، خاصة أن الخطاب المعادي للإسلاموفوبيا والمعادي للمهاجرين غالباً ما يكون هو بالضبط ما يُستخدم لإلهائنا عن الإقرار بأصل النزوح والكارثة البيئية في المقام الأول. وعليه، فإن فهم الأسباب الجذرية للإسلاموفوبيا يساعد في ربط المقاومة بها بالنضالات المتعددة على المستوى الدولي».

 بناء عالم منصف للجميع

 تحرص الكاتبة على تقديم تجربتها الشخصية في الكتاب، كي لا تكون في أطروحاتها بعيدة عن الفهم العام للإسلاموفوبيا، بل تشير إلى بعض القصص التي تدعم كلامها، وهي كتبت هذا العمل سعياً منها لبناء عالم عادل، لا يكون فقط صالحاً للعيش، بل آمناً أيضاً للجميع. هنا لا نجد الكاتبة مهتمة بتأليف كتاب يعيد إنتاج النقاشات الأكاديمية حول الإسلاموفوبيا أو بالمساهمة في النقاشات حول تعريفه، بل تهتم بالكيفية التي يمكن أن تساعدنا على تحليل حقائقنا الاجتماعية بهدف تغيير الإسلاموفوبيا. تقول: «أعمل بانتظام مع الأطفال المسلمين في المدارس الذين اعتادوا على تصوير أنفسهم على أنهم يرتبطون بالإرهابيين ويحملون تهديدات لمجتمعهم، وأنهم برابرة وكارهون للنساء وأجانب، لدرجة تمتلئ القصائد التي يكتبونها في ورش عمل أديرها بمثل هذه الصور والكلمات. أسأل نفسي ما الذي يتطلبه الأمر لتغيير عالم قصائدهم. كيف ستبدو قصائدهم إذا كانت لديهم اللغة لتسمية الاضطهاد الذي يواجهونه، بدلاً من تسمية أنفسهم فقط من خلاله، أو معارضين له؟ وكيف ستبدو قصائدهم إذا عاشوا في عالم يشعرون فيه بالأمان؟ هذه الأسئلة مهمة لأن هؤلاء الأطفال مهمون. وأنجح وسيلة لإنهاء الاضطهاد هي تمكين المضطهدين».

 وتتطرق المؤلفة إلى قضية العلمانية، حيث ترى أنه غالباً ما يُفترض أن العلمانية طريقة موضوعية بطبيعتها لرؤية العالم وأن الدين يناقضها، وتجد أن العلمانية التي يتحدث عنها اليمينيون ولدت من تاريخ محدد وهي متورطة في مشروع بناء سيادة بيضاء أوروبية. وبالتالي، فإن العلمانية هنا لا تعني الحياد في رأيها.

 بقدر ما يركز هذا الكتاب على الإسلاموفوبيا كجزء من مجموعة ديناميكيات القوة العالمية، تحاول المؤلفة أيضاً التركيز على حقيقة أن الإسلاموفوبيا تعيش متغلغلة في ذهنيات الكثيرين. تقول: «تغير الإسلاموفوبيا وظائفنا من خلال الصدمات، وتعيش في أنظمتنا العصبية، وتجعلنا مفرطين في اليقظة والخوف».

 ترى المؤلفة أن هذا الكتاب قد يبدو غير مريح لبعض القرّاء، لكن تؤكد أن أطروحتها ترى أن الفهم الاختزالي للإسلاموفوبيا على أنه مجرد تجربة من الكراهية أو التحيز ليس مضللاً فحسب، بل إنه يحولنا عمداً عن رؤية عنف العالم. وترى أن عدم فهم الإسلاموفوبيا بطريقة عقلانية وواعية يمنع شعوب الغرب من فهم الأسباب التي تجعل أكثر من مليون مسلم يقبعون في معسكرات الاعتقال في مقاطعة شينغانغ الصينية، والبعض منهم يحرق حياً في دول أخرى، وبعضهم يُضطهد ويُجبر على مغادرة منزله في ميانمار، وآخرون يغرقون في قوارب قبالة سواحل اليونان وإيطاليا، فضلاً عن رحلات لآلاف الأميال عبر الصحراء الكبرى من مالي وتشاد والنيجر، ويفرّ الكثيرون من ضربات الطائرات بدون طيار في الصومال، ويعيش بعضهم في مخيمات اللاجئين في سوريا، وغيرها من الأمثلة المعروفة على المستوى العالمي. ترى أن كل هذه القضايا ترتبط ببعضها، وعدم فهمها يرسم سياسة في التعامل مع من ينحدر من هذه الأصقاع.

 تدعو المؤلفة في نهاية الكتاب إلى وضع بوصلة التفكير المنطقي في مسارها الصحيح، وعدم الانجرار وراء الحملات الدعائية التي تخدم أجندات سياسية في بعض دول العالم، وترى أن العنصرية لا تتجزأ، سواء كانت ضد المسلمين أو غيرهم، فأساسها يقوم على فكر مشبع بالصور السلبية والنمطية، ويروجها أصحاب المصالح والأجندات.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
جوناثان دارلينج
1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس
1
أولوفيمو أو.تايو
1
أظفر شافي وإلياس نجدي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
مايكل راسكا، كاتارزينا زيسك، وإيان باورز
1
غريغور غال
1
عاصم سجّاد أختار
9
هيلين تومسون
1
فرانسيس فوكوياما
1
ماري إليز ساروت
1
تشاي هان كيم
1
لويس ألكسندر بيرج