إلى جنات الخلد

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

حين فتحت شاشة الحاسوب، كانت نيتي أن أكتب عن أجمل الأشياء التي تحدث هذه الأيام، من فعاليات ومهرجانات، وقصص، حتى جاءني خبر وفاة جارنا السابق، فحزنتُ وقلت لنفسي «اللهم ارحمه واغفر له واجعل الفردوس الأعلى مقامه ومستقره مع جدي وجدتي، فقد رحل بمرض العالم الأكبر اليوم كورونا». كان جارنا وأنا طفلة يأخذني أحياناً للمدرسة مع أبنائه، كان طيباً بشوشاً، حنوناً ولا أذكر له إلا كل خير، تمنيت مثلما تمنيت لجدتي يوماً أن يفيق من حالة الغيبوبة التي هو فيها إثر مضاعفات المرض، مرت شهور وكان قضاء الله غالباً، فالله يختار الطيبين ليكونوا في السماء العليا.
يمر العمر يا قارئي، ونكبر، ونحمد الله على الحياة، الصحة، الأهل، الأصدقاء، الجيران، الخير، البهجة، السعادة، الأمن، الأمان، البيت الدافئ، الأكل وما لذ منه، السيارة التي تقلنا، المستشفى التي تستقبلنا، الحاسوب الذي أرسل لك منه كلماتي، السفر، التلفاز، كل أجهزة الترفيه، الحب، العلم، الوقت، البهجة، الوطن، وكل شيء لو أحصيته لما انتهيت منه، وتأتي الحقيقة المرة التي لا نعرف متى وكيف لتأخذ كل شيء: الموت والفقد.
أقسى ما قد يمر به المرء هو الفقد، فقد من كان إلى جواره، وهو الذي يعتقد أنه باق لن يرحل، كلنا راحلون، البعض يرحل وتبقى ذكراه، وسيرته العطرة، ودعاء لا ينفك يرتفع للسماء وهي النعمة الكبرى، أن تمر الأعوام وهناك من يحبك ويدعو لك، لتكن قلوبنا رحيمة، وأذكر نفسي قبل غيري، رحيمة بكل من حولنا، بمن نحب، ومن كان له دور في حياتنا، لنعطي كل ذي فضل فضله بالذكر والدعاء، ولا يجحد قلب على قلب أعطاه ولو خبرة يوم، أو درساً في هذه الحياة، لنتعلم أن نعيش معهم فالرحيل مفاجئ وغصة القلب لن تهدأ بسهولة، كل شيء سيفنى إلا حبهم، وكل شيء سيبقى إلا وجودهم، مغبون من كان له جد وجدة أمام عينه، أم وأب يدعون له، أخوة يشاركونه الحياة، وجيران طيبون يهلون عليه السلام ويقفون معه في الضراء والسراء.
وأنتم تحتفلون بكل شيء جميل، قفوا دقائق وادعوا لمن كان سبباً لوجودكم، وعلمكم، اشملوا الحي والميت، كونوا أوفياء، فالحياة غمضة عين وقصة تنتهي مهما طالت الأحداث، وكلنا عائدون إلى الله في يومنا، فاللهم اجعل ذكرنا في السماء والأرض مباركاً، طيباً، عطراً بكل جميل وخير، وانزع الحقد والحسد والشر من قلوبنا فإنها مهلكة قبل لقياك، كونوا أنقياء، وانظروا للحياة بوجه مختلف، تمنوا الخير لغيركم سيأتيكم، وكونوا في عون غيركم يكن الله لكم العون والسند وكل ما تريدون، قبل قضاء المهمات، اقضوا حوائج الناس، فهي في الميزان تكبر عند الله. اللهم ارحم من علمنا الخير ومن هذبنا، ومن كان يمشي على هذه الأرض معنا، اللهم ارحم القريب والبعيد، واجعلنا مثلهم حين نرحل طيبي الذكر سائرين إلى جنات الخلد.
[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"