الجنون النووي

00:49 صباحا
قراءة دقيقتين
كلمة الخليج

مهما تكن صحة الرواية التي تقول إن الإمبراطور الروماني نيرون أحرق مدينة روما عام 64 ميلادي كي يستمتع بالنار وهي تلتهمها، فإن المجنون الذي يفكر في إشعال أي حرب نووية الآن، لن يكون لديه الوقت الكافي كي يستمتع بالنار التي ستلتهمه وتلتهم العالم معه.

نقول هذا الكلام بعدما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع «قوات الردع النووية» الروسية في حالة تأهب، في إطار الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا، وإعلان الدول الغربية حرباً اقتصادية ومالية بالغة القسوة على بلاده، وبدء حلف «الناتو» تزويد أوكرانيا بالأسلحة المتطورة مثل الصواريخ والطائرات المقاتلة في محاولة لإفشال الهجوم، وتحويل الحرب إلى مستنقع للجيش الروسي لا يستطيع الخروج منه إلا منهكاً.

خطوة بوتين قوبلت بمخاوف غربية، وصفها الأمين العام لحلف «الناتو» ينس ستولتنبرج بأنها «خطرة وغير مسؤولة»، في حين اتهمت الولايات المتحدة الرئيس الروسي ب«فبركة تهديدات» في خضم تفاقم الأزمة الأوكرانية.

الرئيس الروسي برر قراره بمواقف حلف الأطلسي تجاه بلاده والعقوبات «غير المشروعة» التي فرضها الغرب على بلاده. هل يعني ذلك أن الخيار النووي بات مطروحاً على الطاولة تزامناً مع تصاعد المعارك والتحديات بين الجانبين؟

إن هذه الخطوة لا تعني بالتأكيد أن الخيار النووي بات في متناول اليد، ذلك أن هذا الخيار لا يقدم عليه عاقل يتمتع بالحد الأدنى من المسؤولية والحس الإنساني، لأنه يعني نهاية هذا العالم الذي نعرفه، وكل ما حققته البشرية من إنجازات، بما يتجاوز كثيراً ما جاءت به أفلام الرعب والكوارث التي أنتجتها السينما العالمية؛ إذ يقدر العلماء «نهاية العالم» في حال حدوث مواجهة نووية بين روسيا والولايات المتحدة (نحو 13 ألف رأس نووي)، ووقوع «شتاء نووي»، ما يعني تدني حرارة الكرة الأرضية إلى أكثر من ست درجات مئوية، ووفاة نحو ملياري آدمي، مع انعدام القدرة على الزراعة بسبب تلوث التربة بالإشعاعات، والدخان الأسود الذي يغطي الكرة الأرضية ويدمر طبقة الأوزون ويحجب أشعة الشمس، بما يؤدي إلى مجاعة تلحق بمن تبقى حياً على وجه المعمورة.

إن أي حرب نووية تعني تدمير الإنسان والبيئة، فمن هو ذلك المسؤول الذي يمكن أن يتحمل وزر إبادة الجنس البشري؟

في التحليل الهادئ لخطوة بوتين أنها تأتي في إطار الصراع المفتوح بين روسيا والدول الغربية، وهو يحاول تذكيرها بأن بلاده قوة نووية، وممارسة أقصى درجات الضغط على خصومه، لأنه يعرف أن اللجوء إلى الخيار النووي يعني أن روسيا ستكون ضحيته أيضاً.

لعل بوتين بهذه الخطوة يستطيع ردع الدول الغربية عن التدخل العسكري في أوكرانيا، وتحسين شروط التفاوض للحصول على ما يريد، خصوصاً مع قبول كييف بدء المفاوضات مع موسكو.

قرار بوتين سياسي بالدرجة الأولى.. ولكن بنكهة نووية!

عن الكاتب

كلمة الخليج

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"