الثورة والثورة المضادة

مفارقات النضال الصيني خلال 100 عام
21:56 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
2
لين تشون
لين تشون أستاذة في السياسة المقارنة بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية؛ لها عدد من المؤلفات منها: «كتاب اليسار البريطاني الجديد»، و«تحول الاشتراكية الصينية»، و«الصين والرأسمالية العالمية».

 شهدت الصين تغيرات مفصلية خلال المئة عام الماضية، ألقت بظلالها على مفاصل الحياة كافة. يركز هذا العمل على التغييرات المستمرة، والتحديات غير المسبوقة التي تواجهها اليوم، ويحلل الإشكاليات الملازمة للسياسة والتنمية الصينية في الداخل والخارج.

قبل قرن من الزمان، في يوليو/ تموز1921، كان ثلاثة عشر شخصاً يمثلون المجموعات الشيوعية الأولى في الصين، التي عملت على نشر الأفكار الماركسية في مختلف المقاطعات. تجمع هؤلاء في شنغهاي، لعقد أول مؤتمر وطني لهم، وأسسوا الحزب الشيوعي الصيني الذي قاد الثورة، ووجّه التحولات الاجتماعية منذ ذلك الحين. 

 نجا الحزب مرات عدة بصعوبة من الانقراض، لكنه استطاع بناء نفسه، ليصبح الأكبر والأكثر تأثيراً حتى خضع لتطبيع متصور بعد ذلك بثلاثين عاماً في السلطة.

 الصين قبل وبعد

تعد الصين حضارة قديمة، وهي واحدة من أقدم الحضارات وأكثرها بقاء في تاريخ البشرية. فقد تزامنت بدايات دولة تشين هان مع ظهور روما في نصف الكرة الغربي تقريباً. توسعت كل من الصين وروما في إمبراطوريتين عملاقتين، متشابهتين في الحجم والتطور. «شعب التحرير» (كما أطلق الرومان على الصينيين)، و«دا تشين»؛ (كما أطلق الصينيون على الرومان)، على الرغم من قلة المعرفة الفعلية لبعضهم، فإنهم أقاموا تبادلات تجارية مزدهرة عبر مساحات قارية وبحرية شاسعة مع إشراك العديد من المجتمعات الأخرى. ومع ذلك، فإن الصين الإمبراطورية، التي تأثرت أيضاً بالثقافات العربية الفارسية وثقافة السند السابقة، لم تكن لها صلة بالقوة والأساليب العسكرية النموذجية لنظيرتها الأوروبية. واختلفت جيناتهم السياسية بين الأفكار السائدة عن الوحدة أولاً والاستقلالية في وقت لاحق. بهذا المعنى، فإن مصطلح «الإمبراطورية»- وهو مصطلح مستعار من لغة الأوروبيين - هو تسمية خطأ للصين حتى مرحلة متأخرة. 

في الوقت الذي سقطت فيه الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس، نجت الصين من جميع الإمبراطوريات الرئيسية ما قبل الحداثة.تقول الكاتبة في عملها الصادر عن دار «فيرسو» للنشر :  يُعتقد أن الصين القديمة بعيدة عن التقدم الطبيعي، لدرجة أن العديد من السمات السياسية للصين الحديثة، تُنسب إلى ماضي سلالات عميقة، بالتالي إما أن تكون غير قادرة على الحداثة، وإما أنها لم تتعلم بعد أن تكون حديثة بشكل كافٍ؛ وذلك بسبب ميراثها التقليدي والإقليمي المتواصل. حتى إن جمهورية الصين الشعبية المعاصرة لا يمكن أن تكون أكثر من «حضارة تتظاهر بأنها دولة قومية». ومع ذلك، وكما كشف المؤرخون الاقتصاديون والاجتماعيون، كانت الصين بحلول القرن الخامس عشر إلى القرن السادس عشر، أكبر تاجر على مقياس الفضة؛ حيث أسهم في تشكيل النظام الرأسمالي العالمي، ولبضعة قرون، كانت أغنى دولة في العالم. علاوة على ذلك، أحدثت الثورات الصينية في القرن العشرين فرقاً تاريخياً عالمياً للبلد والمنطقة والنظام العالمي؛ حيث أحدثت «القطيعة الثورية مع الماضي». هذه القطيعة مطلوبة كبطاقة دخول إلى الحداثة.

وتضيف: إن تحديد موقع الصين عالمياً عن طريق توضيح تفاعلاتها المتطورة مع نشأة الرأسمالية وتوسعها، لا يعني إيجاد كيان نسبي ثابت في نظام دولي ثابت. إن تتبع تحولات الصين كسلسلة من الخطوط التاريخية يعني تجاوز الخيال الأوروبي للعالم الذي تجسّده الرأسمالية في كلّيتهما. ومع ذلك، فإن الرأسمالية تشمل السياقات المحلية والعالمية، وفي نفس الوقت تحفز النمو الصناعي للصين والمنافسات الاجتماعية، والتحولات الشيوعية وما بعد الشيوعية، والأنظمة السياسية والاجتماعية الاقتصادية المتنافسة على نطاق أوسع. لقد كانت عملية تنمية غير متساوية، مملوءة بالتناقضات وكذلك بالفرص.

 جدلية الثورة المضادة

 غيّرت الثورة الشيوعية في الصين مصير الشعب الصيني، وأعادت رسم خريطة العالم الحديث. خضعت الاشتراكية الصينية لتحولات كبيرة؛ حيث قاومت الدولة الستالينية بينما كانت تحارب الرأسمالية العالمية بحروبها الساخنة والباردة وغيرها، وحتى التهديد بهجمات نووية. تقول الكاتبة: كان الوعد بانتقال السوق في عام 1978 وفق إيقاع اشتراكي يحظى بإجماع كبير قبل أن يدخل بشكل غير متوقع في مرحلة جذرية طويلة بعد الثمانينات، ما أدى إلى إصلاح أيديولوجية الحزب، والهيكل الاقتصادي، بالتالي العلاقات الطبقية والاجتماعية، وكذلك العلاقات الخارجية، وتشير إلى أنه بما أن الاشتراكية غارقة في قومية تنموية، فإن التوازن السابق للثالوث الجدلي للاشتراكية والقومية والتنمية قد هوى منذ 1990.

 وتضيف: من ناحية أخرى، فإن القضاء على الفقر المدقع تقريباً هو أكبر تحول من نوعه شهده العالم على الإطلاق، وهنا مرة أخرى، يجب أن تنحني أطروحة المحصلة الصفرية لنظرية التبعية لتفسير الحالة الصينية، على الرغم من المكابح المختلفة الآن في الاقتصادات الأساسية الرأسمالية، وكذلك التدمير البيئي الرأسمالي. وفق مقياس الحداثة والتاريخ، يمكن توضيح هذا المسار في سرد مزدوج للثورة والثورة المضادة. بدأت الثورة الشيوعية في الصين بمرحلة ديمقراطية برجوازية جديدة، في مجتمع زراعي شبه استعماري (لهزيمة الإمبريالية والإقطاعية قبل الرأسمالية). ثم تعرض تطورها الاشتراكي اللاحق في ظل دولة جمهورية الصين الشعبية للخطر مرتين: أولاً بسبب الثورة المستمرة الفاشلة لمحاولات الماويين للتغلب على البيروقراطية. ثم بعد ذلك من خلال إصلاحات السوق المنجزة.

 وتشير المؤلفة إلى أن «الستينات مثلت الانقطاع الأول، ثورة فاشلة داخل الثورة؛ وشكلت الفترة من التسعينات فصاعداً انقطاعاً آخر، هذه المرة معادية للثورة بمعنى أن التطور النيوليبرالي انقلب ضد الكثير مما كان يمثل 1949. إذا ظهرت حملة تشونغتشينغ في عام 2012 بشكل مؤقت فقط كآخر معلم في المسار الصيني لإنكار الاشتراكية، بسبب عنصر من عناصر الصراع على السلطة، فإن قمع عام 2018 للعمال وطلابهم الداعمين كان مؤشراً لا لبس فيه على اكتمال مسيرة عظيمة: انعكاس، ارتداد، انقلاب. تم إبطال النية الأصلية لكل من الثوريين الشيوعيين والإصلاحيين الاشتراكيين، وإن لم يكن ذلك بشكل لا رجوع فيه، على عكس الخطاب الرسمي المحير. من الناحية الاستراتيجية، يمكن قراءة هذه الرواية المزدوجة على أنها تحول ديالكتيكي بين انتصار الثورة وهزيمتها. 

 استعادة شعلة الاشتراكية

في مواجهة التراجع الهائل عن الاشتراكية والتحرر في الصين، الذي لا يختلف اختلافاً جوهرياً عن المناطق المدمرة للشيوعية التاريخية، يجب على الاشتراكيين غير التائبين أولاً حل المشكلة إذا لم يغيروا إرادة التغيير، ويكسروا اليأس ويتخلصوا من المآزق. تعلق الكاتبة هنا قائلة: قد يبدأون بالحث على مناقشة مفتوحة حول طبيعة الدولة والمجتمع في الصين اليوم؛ حيث سيعود مفهوم الطبقة كبوصلة لتحفيز التجديد السياسي. يقوم هذا على أساس العلامات المتقاربة لنقطة تحول جديدة. والنطاق الذي يلوح في الأفق لأجندات ما بعد الوباء للحزب مهم، لدرجة أنه مع جرعة كبيرة من البحث الذاتي النقدي، يمكن للصين أن تستعيد شعلة الاشتراكية وتصبح قوة تغيير العصر. تتموضع وظيفة اللاحتمية التاريخية والطوارئ في أن القوى الخارجية المكثفة المعادية للصين قد جمعت التغييرات الداخلية المهمة. علماً أن مقترحات الحزب حذرة، لكن إحدى البادرات الواضحة هي بيانه بكامل هيئته، والذي يشير إلى الحاجة إلى توسيع وتوحيد الشركات المملوكة للدولة (أكثر من مجرد رأس مال الدولة)، والقدرة التكنولوجية التي تعتمد على الذات، والأمن الاجتماعي المتكامل بين المناطق الحضرية والريفية، وإجراءات تغير المناخ. على الرغم من محدودية ذلك، فقد تم بالفعل اتخاذ بعض الخطوات، من وقف الاحتكار الخاص إلى التراجع عن خصخصة الأراضي. على ما يبدو، فإن المحاربين الأمريكيين الجدد يقدمون خدمة عظيمة للصين من خلال إجبار قيادتها على التوقف عن التذبذب، وتقديم إحياء لطموحاتها الاشتراكية. يتبين أن هذا الإغراء ضروري لسحق أي أوهام متبقية حول الرأسمالية الرابحة للجانبين واليوتوبيا النيوليبرالية. بدلاً من تقديم المزيد من التنازلات القوية، من مصلحة الشعب الصيني أن يكون أكثر استقلالية عن نظام يستنزف جهده لمواصلة استمراره. يمكن للصين أن تحفز ثورة مكانية في الاقتصاد العالمي، مع تداعيات أوسع بالنظر إلى جاذبيتها الاقتصادية الحالية..

 في الأغلب تلتحم هذه السياسة المعاد تنشيطها في إدراك وممارسة النضال الاجتماعي الذي دام قرناً في الصين ولم يتوقف أبداً، حتى لو كان مجرد تيار خفي.. تعلق المؤلفة على ذلك: «كيف نما حزب صغير قبل مئة عام، يواجه عقبات هائلة وعلى استعداد للخروج من النار والماء، ليصبح أكبر ثورة اجتماعية حديثة في العالم أمر رائع بشكل ملحمي. لكن، لا شيء يمكن أن يكون أكثر مأساوية إذا تم نسيان هؤلاء الملايين الذين انضموا إلى الثورة وضحوا بشبابهم ويعيشون في طريقها الشاق في عصر يطغى عليه بشكل مذهل النزعة المادية والعبثية». كما تقول بون نجاي (بروفيسورة في جامعة لندن)، يُسمح للاندفاعات الرأسمالية بتدمير الثورة و«ثمارها التي شكلتها من الأهداف الاشتراكية بما في ذلك المساواة الاقتصادية، وتحرر الإنسان وديمقراطية الشعب، والتي سفكت طليعة الثورة دماءها من أجل تحقيقها». عندما تم إعلان الثورة وتفكيكها بشكل هيستيري، أُريقت الدماء عبثاً، مضيفة: مع رفض الاشتراكيين الاستسلام، ألم يتساءلوا إذا ما كانت «ضخامة أهدافهم الخاصة» لا تزال صحيحة في عصر ما بعد ولادة الحزب الشيوعي الصيني..؟! وإذا لم تصل الكوارث البشرية والطبيعية المتعددة للعولمة الرأسمالية إلى النقطة التي يكون عندها «أي تراجع مستحيل»، يجب استعادة المثل الأعلى الأصلي للثورة. 

 النضال الأخير في زمن الوباء

 يقال إنه يمكن للأزمات أن تخلق فرصاً؛ يمكن لها أن تؤدي إلى إحداث تغيير حقيقي. ترى المؤلفة أنه لكي تغتنم الصين اللحظة، يجب عليها قبل كل شيء أن تواصل مكافحة الوباء في موجة ثانية محتملة، وخارج حدودها. يجب أن تشارك المعلومات واللقاحات الخاصة بأبحاث فيروس كورونا بغض النظر عن الملكية الفكرية أو اعتبارات الربح، وأن تلتزم بإمدادات معدات طبية عالية الجودة للآخرين، وأن تلغي الديون المستحقة على البلدان الفقيرة والمتعثرة. يمكن أن تكون هذه الخطوات الأولى للابتعاد عن العولمة الجديدة مع فرض جهود جماعية أخرى لوقف سباق التسلح وأزمة المناخ. بالتالي فإن المهمة الاستراتيجية هي نبذ أيديولوجية التنمية أو مركزية النمو، مع الإشارة أيضاً إلى المساهمة في الدمار البيئي من قبل الشركات متعددة الجنسيات العاملة على الأراضي الصينية. لقد عززت الصين فيما مضى الوعي الأخضر، وقادت استكشاف طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وبدأت في إنشاء مناطق بيئية خاصة. لكنها أيضاً أكبر مصدر للانبعاثات في العالم، وتشكل انبعاثاتها الكربونية المرتفعة 28 في المائة من الإجمالي العالمي. فهي تواجه المفارقة المتمثلة في الاضطرار إلى التمسك بمحطات الطاقة التي تعمل بالفحم من أجل أن تكون أكثر اعتماداً على الطاقة، قبل أن تهيمن الطاقة النظيفة وتقلص الصناعات القديمة كثيفة الاستهلاك للطاقة. 

وتضيف: بدلاً من التخلص من الوقود الأحفوري، لا تزال معظم المشاريع الجديدة قائمة عليه. بموجب اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015، ستبلغ انبعاثات الصين ذروتها نحو عام 2030. في سبتمبر/ أيلول 2020، تم تمديد الالتزام الرسمي للوصول إلى حياد الكربون بحلول عام 2060. ومع ذلك، دون إعادة تشكيل حالة البنية التحتية، يمكن أن ينتهي الأمر بتعهدات عبثية. 

وتذكر: «تستمر التناقضات الأساسية بين حياد الكربون والنمو اللامتناهي في محاصرة الصين. نظراً للحاجة إلى تعظيم النمو والتوظيف والنزعة الاستهلاكية، يجد قادة الصين أنه ليس لديهم خيار سوى السماح للملوثين بالتلويث.. الصراع من أجل المناخ هو أيضاً حرب طبقية؛ حيث يعيش أغنى 1 في المئة في العالم ببذخ ويولد انبعاثات ضعف تلك الخاصة بالنصف الأفقر من السكان، وسكان الصين لديهم جزء كبير في كليهما»، وتختتم بقولها: «توفر لحظة ما بعد الوباء للصين حافزاً لتبني فرضية الاشتراكية البيئية بأكبر قدر ممكن من الطموح والواقعية من أجل تصور مستقبل مختلف تماماً».

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
جوناثان دارلينج
1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس
1
أولوفيمو أو.تايو
1
أظفر شافي وإلياس نجدي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
مايكل راسكا، كاتارزينا زيسك، وإيان باورز
1
غريغور غال
1
عاصم سجّاد أختار
9
هيلين تومسون
1
فرانسيس فوكوياما
1
ماري إليز ساروت
1
تشاي هان كيم
1
لويس ألكسندر بيرج