نبوءات نجيب محفوظ

00:28 صباحا
قراءة 4 دقائق

بحسّ الروائي العظيم التقط نجيب محفوظ في «بداية ونهاية» شخصية الملازم «حسنين»، الشقيق الأصغر في أسرة فقدت عائلها فجأة، وتدهورت أحوالها إلى حدود الفقر المدقع. توافرت في شخصيته قوة الدراما، فهو تحت ضغط الحاجة والشعور بالحرمان حاول أن يجد خلاصه الفردي، لكن عبء عائلته حاصره حتى اضطر في النهاية إلى الانتحار، عندما وجد عالمه كله ينتهي.
 من الناحية التاريخية أهمية الرواية في توقيتها -حيث نشرت لأول مرة عام (١٩٤٩)- والحرب تضع أوزارها، وكان «محفوظ» قد شرع في كتابتها قبل أن تدخل القوات المصرية فلسطين. لم تكن السياسة من شواغل عائلة «حسنين»، فقد استغرقتها أزماتها «فلم تترك نصيباً للوطنية».
 «إن الأوطان تحيا بدم الأبطال».. قال لأمه المجزوعة من موت ضحايا المظاهرات من الطلبة، لكنه توقف عن حديثه الحماسي برمقة عين.
 التقط «محفوظ» من حركة الحوادث وتداعياتها مادته التي جسدها في بشر من لحم ودم ودموع ونبوءات. «ثم جدّت أحداث فتكونت الجبهة الوطنية، وشرع في المفاوضات، وانتهت المفاوضات إلى الاتفاق، وسرى في البلد ارتياح..».
 كانت تلك مقدمات دخول «حسنين» الكلية الحربية. لم يكن ممكناً من قبل لمن هم في وضعه الاجتماعي أن يخطر ببالهم دخولها.
 رغم كل الانتقادات التي وجهت لاتفاقية (١٩٣٦)، التي وقعها زعيم «الوفد» «مصطفى النحاس»، وألغاها بنفسه عام (١٩٥١)، إلا أنها سمحت لأولاد المصريين من الطبقة الوسطى الالتحاق بالكلية الحربية.
«أرأيت أن الأرواح التي زهقت لم تذهب سدى». قال «حسنين» لوالدته.
 كادت أوضاعه المادية المزرية أن تحول تماماً دون ذلك الالتحاق، لولا وساطة صديق موسر لوالده ومساعدة شقيقه الأكبر «حسن» في دفع أول دفعة من المصروفات المطلوبة، فهو لم يفتقد رغم سجله الإجرامي عطفه على عائلته التي تركها خلفه تعاني العوز المفرط.
 قديماً كاد يمتنع عن الفلاحين المصريين الالتحاق بخدمة الجيش. وحديثاً لم يتم دمجهم مرة واحدة وتعرضوا للتهميش والتمييز.
 كانت تلك الأوضاع على رأس الأسباب الجوهرية للثورة «العرابية»، أولى ثورات العصر الحديث، التي يطلق عليها في بعض الأدبيات ثورة «الفلاحين».
 عندما شرع «محمد علي» في تأسيس الدولة الحديثة عام (١٨٠٥)، استند إلى ركيزتين أساسيتين.
} أولاهما- بناء جيش قوي يستطيع أن يلبي طموحه في تثبيت حكمه، والتطلع إلى خارج الحدود منازعاً الخلافة العثمانية وربما وراثتها.
} وثانيتهما- إرسال بعثات تعليمية تتلقى العلوم الحديثة من الجامعات الأوروبية، حتى يمكن التطلع إلى تحسين جوهري في أداء المهام العامة.
 لم تحظ الركيزة الأولى - في وقتها وظروفها- بأية شعبية بالنظر إلى أعمال السخرة، التي رافقت تجنيد أولاد الفلاحين، حيث أرسلوا في بعض الأحوال إلى مناطق بعيدة كالمكسيك دون أمل في عودة.
 بفضل الثورة العرابية أخذت الجندية معنى مختلفاً، وطنياً ومقاوماً، بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت. عندما انكسر «عرابي»، واحتلت مصر، لم يكن ممكناً لعقود طويلة الحديث عن أية قوة عسكرية مصرية.
 في كل الثورات والانتفاضات الحديثة تصدّر الجيش مشاهدها بصورة أو بأخرى باستثناء ثورة (١٩١٩)، لأن مصر كانت تحكم بحراب الاحتلال البريطاني.
كانت اتفاقية (١٩٣٦) نقطة تحول في الحياة العامة اكتسبت زخمها في ميادين القتال بفلسطين لا بمنطق نصوصها.
 «هل حقاً ما يقال عن احتمال سقوط الوزارة؟». وكان رد الملازم «حسنين»: «غير مسموح للضابط الاشتغال بالسياسة».. و«لا شأن للجيش مع المظاهرات».
 لم يكن الشأن السياسي العام من شواغل الملازم «حسنين»، وهو نفسه غير مستعد للتضحية من أجل أية قضية.
غير أن المؤلف الملهم أجرى على لسانه عبارة حكمت المستقبل البعيد في يناير (٢٠١١): «إذا قامت ثورة فلا بد من تدخل الجيش».
 كانت حرب فلسطين زلزالاً أعاد الجيش وسط حممه اكتشاف هويته الوطنية وعقيدته القتالية. تحت وهج النيران في فلسطين ولد جيل جديد من الضباط الوطنيين وتوارت إلى حد كبير صورة الملازم «حسنين».
 كانت تلك آخر رواية كتبها أديب العربية الأكبر قبل ثورة «يوليو»، وبدت بأبطالها وحوادثها أقرب إلى نبوءة تستمد من عنوانها: «بداية ونهاية».
 قبل هزيمة يونيو (1967) حذر «محفوظ» من خطر محدق يوشك أن يقع بأثر أخطاء وتجاوزات من داخل النظام. في عام (1966) نشر روايته «ثرثرة فوق النيل».
 رغم ما هو معروف عن أديب العربية الأكبر من انتقادات وتحفظات على تجربة «يوليو»، فإنه لم يكن معادياً لها.
قرب نهاية حياته الطويلة كتب حلماً من ضمن «أحلام فترة النقاهة» -آخر أعماله الروائية.
 كانت الأحلام تخطر له في منامه، يحفظها ويمليها، وهو لا يكاد يستطيع أن يحرك يده، أو يرى جيداً ما حوله: «وجدتني مع الرئيس عبدالناصر في حديقة صغيرة وهو يقول: لعلك تتساءل لماذا قلّت مقابلاتنا، فأجبته بالإيجاب.
 فقال: كلما شاورتك في أمر جاءت مشورتك بالاختلاف كلياً وجزئياً، فخفت أن تتأثر صداقتي لك بهذا الموقف. فقلت: أما أنا فلن تتأثر صداقتي لك مهما اختلفنا».
 لم يكن «نجيب» صديقاً ل«عبدالناصر»، غير أنه في لحظة مكاشفة أخيرة اعتبره صديقاً لا يؤثر في محبته اختلاف رأي.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"