لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً عظيماً مثل رسولنا الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يكن صاحب رسالة عظيمة وحسب، وإنما كانت سيرته ومسيرته التي امتدت نحو ثلاثة وستين عاماً، أنموذجاً فريداً لرسول عظيم، ونبيٍّ كريم، وقائد مُلهَم، وإنسان بلغ من الصدق والأمانة والرأفة والرحمة والتسامح مع الآخر مبلغاً لم يصل إليه أحد من العالمين، ولِمَ لا وقد قال الله في شأنه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4 5]
لا يزال الحديث عن رحمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالآخر الذي يناصبه العداء، موصولًا؛ حيث شملت رحمته العدو والصديق، الصغير والكبير، القوي والضعيف، كما شملت الأسير والحر؛ بل شملت جثث الأعداء أنفسهم بعد الانتهاء من قتالهم.
أي رسول رحيم هذا الذي أخذ من صفات الخالق العظيم صفة من صفاته الحسنى؟ قال الله تعالى: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» (التوبة: 128) لقد كان، صلى الله عليه وسلم، يأمر أصحابه في حالة غزوهم بأن يحسنوا إلى ضعفاء أعدائهم؛ فعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله قال: «انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله. لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا؛ فإن الله يحب المحسنين».
كما نهى، صلى الله عليه وسلم، عن التمثيل بالقتلى، ففي صحيح مسلم، عن بريدة بن الحصيب، قال: كان رسول الله إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصّته بتقوى الله، وفيمن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكفّ عنهم...». وعن عبدالله بن زيد، رضي الله عنه، قال: «نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن النّهبَى والمُثْلة) النُّهبَى: كل ما يؤخذ قهراً وظلماً، كالمال المنهوب من الغنيمة وغيرها. والمُثْلة: جدع الأطراف أو قطعها أو تشويه الجسد تنكيلاً).
وفي غزوة أحد، مثّل المشركون بعم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حمزة بن عبد المطلب، وشوهوا جثامين شهداء المسلمين، وامتنع رسول الله عن التمثيل بجثث قتلاهم. وعن أبيّ بن كعب، قال: لما كان يوم أحُد، أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة، فمثّلوا بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا، لنربين عليهم. قال: فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله تعالى: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ، وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ» النحل: 126 فقال رجل: لا قريشَ بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُفّوا عن القوم إلا أربعة».
وفعل المشركون ما فعلوا بجثامين شهداء أحد، وبينهم حمزة، على الرغم من أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما انتصر عليهم في غزوة بدر، لم يأمر بالتمثيل بجثث قتلاهم؛ بل أمر بدفنها في بئر قديمة من آبار بدر (القليب). يروي ابن هشام في سيرته، عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رسول الله من جوف الليل وهو يقول: يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام، فعدّد مَن كان منهم في القليب: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً؟ فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد جيفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني». قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال يوم هذه المقالة: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، ثم قال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟
ولم تقف رحمته، صلى الله عليه وسلم، بأعدائه عند عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ، أو النهي عن التمثيل بجثث قتلاهم، وإنما تجاوزت رحمته إلى العفو عن الأسرى. جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: «بعث النبي خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال لهثمامة بن أثال، فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان من الغد قال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان من الغد قال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. واللهِ ما كان على الأرض أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهُك أحبّ الوجوه إليّ والله ما كان من دين أبغض من دينك، فأصبح دينُك أحبّ الدين كله إليّ. والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدُك أحبّ البلاد كلها إليّ».
ونختم بقول المستشرق السويسري «ماكس فان برشم» (1863-1921): الحق أن محمداً هو فخر للإنسانية جمعاء، وهو الذي جاءها يحمل إليها الرحمة المطلقة، فكانت عنوان بعثته «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».