تناقضات الطاقة في الحرب الأوكرانية

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

من الصعب حتى الآن تصور التأثير الكامل للحرب الروسية في أوكرانيا، ليس في أطرافها أو محيطها المباشر فحسب، بل في العالم كله. صحيح أن بعض تلك الآثار تبدت على الفور، من ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء حول العالم، لكن تلك الأسعار كانت بالفعل ترتفع ضمن زيادة معدلات التضخم غير المسبوقة في أعقاب وباء «كورونا»، وكل ما فعلته حرب أوكرانيا أنها دفعت الأسعار للارتفاع أكثر.
   منذ بدأت الحرب في أوكرانيا، تسعى الولايات المتحدة لتحقيق أكبر المكاسب من وراء استمرارها. وفي مقدمة تلك المكاسب بالطبع استنزاف روسيا وإضعاف الصين، فتلك هي استراتيجية الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض التي أعلنها الرئيس، جو بايدن، بوضوح في حملته الانتخابية عام 2020: مواجهة صعود الصين وروسيا. وذلك الهدف الأمريكي يمكّن واشنطن، بالتبعية، من إعادة بناء تحالف غربي تقوده لتستعيد ريادتها العالمية بعد فترة رئاسة الجمهوري دونالد ترامب.
  لذا كانت دعوات بايدن لمنتجي ومصدري الطاقة لزيادة الإنتاج حتى تتمكن العقوبات التي يفرضها الغرب على روسيا من إخراج موسكو من سوق الطاقة. لكن الدول الرئيسية المنتجة لم تستجب، لأسباب عملية تتعلق بأساسيات سوق الطاقة التي لا تستدعي تغييراً في معادلة العرض والطلب المستقرة حقاً. فلا يريد أحد أن يغرق السوق بفائض معروض مع استقرار الطلب أو احتمال انخفاضه ما يؤدي فيما بعد إلى انهيار الأسعار لفترة طويلة.
 أما قرار أمريكا وبريطانيا وقف استيراد النفط والغاز الروسي، فلم يكن له تأثير كبير، لأن كلا البلدين لا يستورد من موسكو إلا نسبة ضئيلة من صادراتها. ورغم الضغط على دول أوروبا التي تستورد ربع احتياجاتها من النفط وما يقارب نصف احتياجاتها من الغاز من موسكو، إلا أنها لم تستطع أن تحذو حذو أمريكا وبريطانيا. لكن أسعار النفط والغاز واصلت الارتفاع. وكانت النتيجة الأخطر هي انعكاس ذلك على المستهلكين الأمريكيين في محطات البنزين، حيث ارتفعت أسعار الوقود بنسبة خمسين في المئة تقريباً. وخطورة ذلك أنه يمثل تهديداً حقيقيا للحزب الديمقراطي في الانتخابات التكميلية للكونغرس بمجلسيه، هذا العام.
  وكان ارتفاع الأسعار عموماً، كفيل بأن يهدد الديمقراطيين بخسارة مجلسي النواب والشيوخ، وجاءت نتائج حرب أوكرانيا لتضاعف هذا التهديد. ما جعل إدارة بايدن تسارع بالسحب من المخزون الاستراتيجي للنفط بعشرات ملايين البراميل، وهو أكبر سحب من المخزون الاستراتيجي منذ نحو نصف قرن. وكان هذا الإعلان كفيلاً بأن يضغط على أسعار النفط نزولاً. لكن ذلك لم يحدث، بل حدث العكس، واستمرت الأسعار تتحرك بفضل عوامل السوق الأخرى. فردّ فعل السوق كان أن هذا القرار يعبّر عن ذعر أمريكي أكثر منه استناداً إلى أساسيات السوق. ما جعل القرار يأتي بنتائج عكسية تقريباً.
  المشكلة أن مثل هذا القرار، وما سبقه من إعلانات السحب من المخزون ومطالبة المنتجين من دول وشركات بزيادة الإنتاج يتناقض جذرياً مع واحد من أهم بنود خطة بايدن التي انتخب على أساسها رئيساً، وهو الاستثمار في التحول بعيداً عن النفط والغاز ونحو الطاقة الخضراء. هذا التناقض ينال أكثر من مصداقية الإدارة الأمريكية التي وعدت بتقليل الاعتماد على النفط والغاز لتأتي وتطالب بضخ المزيد منهما في السوق والاستثمار في الإنتاج أكثر بدلاً من الاستثمار في طاقة الشمس والرياح مثلاً.
  أما الأثر المضاعف لعدم قدرة الإدارة الأمريكية على تغيير اتجاه سوق الطاقة، فهو أن هدف استنزاف روسيا لا يتحقق بالقدر الذي يريده بايدن والغرب. فالنفط والغاز الروسي ما زالا يتدفقان، حتى إلى أوروبا ، وما زالت موسكو تحصل على مليارات الدولارات من العائدات رغم العقوبات، في الوقت الذي تتراجع فيه شعبية الرئيس بايدن وحزبه في الولايات المتحدة.
  ثم هناك هدف آخر غير مباشر، وهو أن الإدارة الأميركية في إطار سعيها لاستعادة ريادة عالمية تحاول أن تبدو القوة الرئيسية المحركة لسوق النفط العالمية، بالتأثير في موازنة العرض والطلب والتحكم في الأسعار، وسحب تلك الإمكانية من دول رئيسية مثل السعودية وروسيا. وهذا ما فشلت فيه واشنطن حتى الآن، رغم أنها وصلت قبل أزمة وباء كورونا لتكون أكبر منتج للنفط في العالم بأكثر من 13 مليون برميل يومياً، وأصبحت تصدّر أكثر مما تستورد من الخام.

[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"