انتخابات لبنان.. الآمال والواقع

00:25 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد نور الدين

أقفلت الأسبوع المنصرم أبواب الترشيح للانتخابات النيابية في لبنان المقررة في 15 مايو/أيار المقبل، كما أعلنت جميع اللوائح التي ستتنافس على المقاعد النيابية. نحو ألف مرشح ومئة لائحة انتخابية سيخوضون  على مدى شهر ونيف  واحدة من المعارك الانتخابية التي يعلق الجميع أهمية قصوى عليها.

لكن لا بد بداية من الإشارة إلى أن النظام الانتخابي في لبنان طائفي؛ أي أن النواب ال128 موزعون مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، كما يتوزعون بحسب المذاهب داخل كل طائفة. والنظام الانتخابي في لبنان نظام نسبي، وهذه ميزة ديمقراطية، بحيث لا يضيع حق من يحصلون على أصوات أقل، ولكن ضمن المعدل الانتخابي.

المشكلة الكبرى هي في ما يسمى «الصوت التفضيلي»، حيث يقترع الناخب أولاً للائحة بكاملها، ومن ثم يؤشر على اسم واحد من اللائحة. وبهذه الطريقة يتم احتساب الحاصلين على أصوات أعلى بحيث يفوز  بالتوازن  مرشحون من كل الطوائف تبعاً لأعدادهم المقررة رسمياً. وعلى الرغم من أن هذا النظام أفضل من النظام الانتخابي الأكثري الذي يصادر حق اللائحة الخاسرة ولو حصلت على 49% من أصوات الناخبين لصالح اللائحة الفائزة، فإنه يظلم العديد من المرشحين الذين قد ينالون أصواتاً أعلى من خصومهم، لكنهم لا يعتبرون فائزين.

بطبيعة الحال، في المقابل، فإن نظاماً انتخابياً طائفياً لا يمكن أن يكون عادلاً بالكامل ويمثل الطوائف بشكل دقيق، إلا إذا كانت كل طائفة تنتخب نوابها، لكن هذا يعني انعزال كل طائفة في كانتونات انتخابية على الأقل، ولا يستطيع كل نائب فائز أن يدعي تمثيل الأمة؛ بل الطائفة، وهذا مكمن الاعتراض على انتخاب كل طائفة لنوابها.

لذلك كان لا بد من نظام انتخابي يجمع بين تمثيل الطائفة، وتمثيل الأمة، فكان النظام الانتخابي الحالي. لا شك في أن النظام الانتخابي الأمثل هو إلغاء الطائفية على جميع المستويات الاجتماعية والإدارية والسياسية، وبالتالي الترشح والانتخاب خارج القيد الطائفي سواء في دوائر ضيقة أو واسعة أو تشمل كل لبنان. لكن هذا الطرح يلقى اعتراض المسيحيين الذين باتوا أقلية بالكاد يبلغ عددهم ثلث السكان، وربما أقل، ويرون في قانون انتخابي خارج القيد الطائفي «مؤامرة» على المسيحيين لجهة أن الأغلبية المسلمة ستنتخب جزءاً كبيراً من النواب المسيحيين وتصادر حقهم التمثيلي.

في بلد مثل لبنان من الصعب إيجاد «حل سحري» يجمع بين الطائفية واللاطائفية، وستبقى معضلة «السوسة» الطائفية تنخر الجسد اللبناني وتحول دون تقدّمه. 

بطبيعة الحال، الطائفية وحدها لا تصنع فساداً، ولكنها تعزّزه وتحميه، كما يحصل في لبنان؛ بل يمكن أن يستخدمها الفاسدون أداة لتفجير الأوضاع الأمنية بذريعة «حماية الطائفة».

من اليوم وعلى امتداد 35 يوماً، سوف تنشط الحملات الانتخابية وتحتدم وسط تحذيرات وتهديدات خارجية من عدم إجراء الانتخابات لكي يبدأ الخارج مساعدة لبنان للنهوض من كبوته الاقتصادية والمالية، لكن المشكلة الكبيرة أنه في حال فازت الأكثرية الحالية من جديد، فإن الدول لا سيما الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما، قد تستمر في الامتناع عن مساعدة لبنان، وتستمر في منع دول مشرقية، مثل روسيا والصين، لمنع مساعدة لبنان ويستمر لبنان مراوحاً مكانه. وكذلك، هناك مشكلة أخرى قد تقع في حال فوز المعارضة بالأكثرية في البرلمان الجديد؛ إذ إنها لا تستطيع أن تحكم وحدها من دون التوافق مع مكونات كبرى طائفية أخرى تقع على النقيض من المعارضة الحالية. وبالتالي تواصل الأمور المراوحة أيضاً مكانها؛ بل يمكن أن تسوء الأوضاع في لبنان إلى مزيد من الكوارث وصولاً إلى الحروب الأهلية.

لذلك فإن التعويل  في رأينا  على فوز هذا الطرف أو ذاك، بالأكثرية، ليس في محله؛ لأن المشكلة الأساسية ليست في إجراء انتخابات؛ بل في المواقف السياسية للدول الخارجية وارتباط الداخل بالخارج منذ منتصف القرن التاسع عشر.

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"