لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً عظيماً مثل رسولنا الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يكن صاحب رسالة عظيمة وحسب، وإنما كانت سيرته ومسيرته التي امتدت نحو ثلاثة وستين عاماً، أنموذجاً فريداً لرسول عظيم، ونبيٍّ كريم، وقائد مُلهَم، وإنسان بلغ من الصدق والأمانة والرأفة والرحمة والتسامح مع الآخر مبلغاً لم يصل إليه أحد من العالمين، ولِمَ لا وقد قال الله في شأنه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4 5]
لن يجد الباحث في سِيَر العظماء على مرِّ التاريخ البشري، شخصاً عظيماً يتصف بالتواضع كما كان محمد بن عبد الله الذي اصطفاه ربه، وفضله على أنبيائه ورسله، وجعله خاتمهم، وكان النبي منهم يُبعثُ في قومه، وبعثه رب العالمين للناس جميعاً، قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (سبأ: 28). ولذلك، فمن الأهمية بمكان أن نعرض لهذا النموذج الإنساني الفريد في مواجهة الآخر/ أهل الكِبْر والغطرسة، حتى أن بعضاً من عامة الناس يقول بلهجة المتكبر المتغطرس: «ألا تعرف مَنْ أنا» ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنما أنا عبد الله ورسوله».
كان، صلى الله عليه وسلم، ينهى أصحابه عن مدحه، فعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال له رجل: «يا محمَّد، أيا سيِّدنا وابن سيِّدنا، وخيرنا وابن خيرنا»، فقال رسول الله: «يا أيُّها النَّاس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينَّكم الشَّيطان، أنا محمَّد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله».
وروى أبو ذر الغفاري، وأبو هريرة، رضي الله عنهما، أن رسول الله كان جمَّ التَّواضُع، لا يعتريه كِبرٌ ولا بَطَرٌ على رِفْعَة قَدْرِه وعلوِّ منزلته، يخفض جناحه للمؤمنين ولا يتعاظم عليهم، ويجلس بينهم كواحد منهم، ولا يُعْرَف مجلسه مِن مجلس أصحابه؛ لأنَّه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويجلس بين ظهرانيهم فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل عنه.
يفعل هذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو مَنْ هو عند ربِّه!! عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي قال لها: «يا عائشة، لو شئتُ لسارت معي جبال الذهب، أتاني مَلَك، وإنَّ حُجْزَته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يُقرئ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت نبيّاً عبداً، وإن شئت نبيّاً ملكاً، قال: فنظرت إلى جبريل، قال: فأشار إليَّ، أن ضع نفسك، قال: فقلت: نبيّاً عبداً. وكان رسول الله بعد ذلك لا يأكل متكئًا، يقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد.
وصف أبو مسعود، عقبة بن عمرو، رضي الله عنه، تواضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أتى النبيَّ رجلٌ فكلّمه، فجعل ترعُد فرائصُهُ، فقال له صلى الله عليه وسلم:«هوِّن عليك نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد».
ولأنه، صلى الله عليه وسلم، يريد لتابعيه الرِّفعة في الدنيا والآخرة، أمرهم بالتواضع، فقال:«وإنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا؛ حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». وقال، صلى الله عليه وسلم:«ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍّ إلا عزّاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». وبشَّر المتواضعين بالجنة، فقال، صلى الله عليه وسلم:«من مات وهو بريء من الكِبر والغُلُول والدَّيْنِ، دخل الجنة»، وتوعَّد المتكبرين، فقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر».
والأمثلة التي أوردتها كتب السيرة النبوية والحديث الشريف، أكثر من أن تُحصى، في تواضعه، صلى الله عليه وسلم، في مقابل تكبر الآخر، حتى وإن كان كسرى وقيصر وفرعون؛ فها هو، صلى الله عليه وسلم، لم يقبل من أحد أن يفضله على أحد من الأنبياء، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول:«تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ»(البقرة: 253). وثبت في الصحيحيْن أن رجلاً من المسلمين ورجلاً من اليهود سبَّ كل واحد منهما الآخر، فقال المسلم لليهودي: والذي اصطفى محمداً على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك وضرب اليهودي على وجهه، فذهب اليهودي إلى النبي فأخبره بما حدث، فدعا النبي المسلم، فسأله عن ذلك، فأخبره بالذي جرى، فطلب النبي من صحابته ألا يفضلوه على أحد من الأنبياء، وأخبرهم عن منزلة موسى عليه السلام، وأنه يوم القيامة يكون مع النبي، ومن أول الذين تنشق عنهم الأرض يوم القيامة.
روى البخاريُّ عن الأسود بن يزيد، قال: «سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النَّبيُّ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مِهْنَةِ أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصَّلاة خرج إلى الصَّلاة». وفي رواية أخرى، «عن عائشةَ، رضي الله عنها، أنَّها سُئِلت: ما كان النَّبيُّ يعمَلُ في بيتِه؟ قالت: كان يَخيطُ ثوبَه ويخصِفُ نعلَه ويعمَلُ ما يعمَلُ الرِّجالُ في بيوتِهم. وفي رواية أخرى، قالت عائشة رضي الله عنها: كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشراً من البشر يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه».
وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه دخل على رسول الله، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء (أيْ: ما بين النبي والحصير شيء)، وتحت رأسه وسادة من أدمٍ (جلد) حشوها ليف، وإن عند رجليه قَرَظًا (نوع من الورق يُستخدم لدبغ الجلود) مصبوباً (أيْ: مجموعاً)، وعند رأسه أُهُب (جلود) معلّقة؛ فرأى أثر الحصير في جنبه، فبكى؛ فقال: ما يبكيك؟ فقال له: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام:«أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».. وفي رواية أخرى:«..ثم رفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئاً يردّ البصر غير أُهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وُسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله»، وكان متكئاً فقال:«أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجِّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا».